فهرس الكتاب
و زَعَم المستشرق جولد تسهير أن المدرسة السلفية-أي مدرسة أهل الحديث- رفضت علم الكلام مطلقا، سواء أدى إلى نتائج سلفية أو بدعية [1] .و ذهب الباحث مصطفى عبد الرازق إلى القول بأن أهل السنة -قبل القرن 3ه- لم يعتمدوا في أمور العقائد إلا على النقل و استبعدوا البراهين العقلية، و يُعتبر أبو الحسن الأشعري (ت 324ه) هو أول من استخدم الدلائل العقلية لنصرة عقائد أهل السنة، و للرد على خصومهم من المعتزلة و غيرهم من المتكلمين، معتمدا على النقل و العقل [2] .
و ذكر الباحث حسين القوّتلي أن الإمام احمد بن حنبل و أصحابه لم يُفرّقوا بين من ينتصر للسنة بالكلام، و بين من ينتصر للبدعة، و هاجموا المتكلمين جميعا؛ و هم -كباقي أهل الحديث- يُصرون على أن علم الكلام و الجدل مُحرّم بتاتا، بحجة أن الرسول-عليه الصلاة و السلام- و أصحابه لم يمارسوه. ثم زعم أن أهل السنة لاحقوا خصومهم ملاحقة عمياء، كانت نتيجتها (( النيل من كل من يشتغل بأمور العقل و الكلام بدون تفرقة و لا تمييز ) ) [3] .
ثم ادعى القوتلي أن الإمام احمد كان متناقضا في موقفه من العقل، فهو من جهة يُوافق علماء السلف في أن العقل غريزة، ثم هو من جهة أخرى يُنكر على الحارث المحاسبي (ت243ه) استعماله للعقل و خوضه في علم الكلام، فهجره و حرّض العامة عليه، و كان هذا شأنه مع الاتجاه العقلي و الكلامي بوجه عام، لذا كان يقول: (( لا تنظر في كتب أبي عبيد- القاسم بن سلام- و لا فيما وضع إسحاق بن راهويه، و لا سفيان و لا الشافعي و لا مالك، و عليك بالأصل ) )، لأنه-أي احمد- كان يُعظم النقل و يرفض العقل كأداة للبحث في أمور الدين، مما جعله ينكر على المتكلمين اعتمادهم على العقل و اللغة في التفسير و الحديث [4] .
فهل اتهامات هؤلاء تصدق على أهل الحديث؟ أولا إن أهل الحديث قد ذموا فعلا علم الكلام و أهله، لكنهم لم يذموا مطلق الكلام، و إنما ذموا ما ابتدعه المتكلمون من باطل كلامهم و نظرهم و استدلالهم، فاعتقد المتكلمون أن قول أهل الحديث يستلزم إنكار جنس النظر و الاستدلال [5] ، و هذا من فاحش الغلط، و سوء الظن و الفهم.
و قد كان احمد بن حنبل يذم علم الكلام الباطل و أهله، و لا يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق مسائلهم و لو للرد عليهم، لكنه غيّر موقفه و أصبح يقول: (( كنا نسكت عن الكلام حتى دُفعنا إلى الكلام فتكلمنا ) )،و فضّل الذي يتكلّم في المبتدعة عن الملتزم بالعبادات الساكت عنهم -أي
(1) جولد تهير: العقيدة و الشريعة في الإسلام، حققه محمد يوسف موسى، و آخران، بيروت، دار الرائد العربي، د ت، ص: 144.
(2) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، القاهرة مكتبة الثقافة الدينية، د ت، ص: 289، 293.
(3) الحارث المحاسبي: العقل و فهم القرآن، حققه حسين القوتلي، ط3، دم ن، دار الفكر، 1982 ص: 41، 47، 127.
(4) نفسه، تعليق المحقق ص: 129.
(5) جمال بادي: الآثار الواردة، ج2 ص: 257،و ما بعدها. و ابن تيمية: الفرقان، 171.و درء تعارض العقل و النقل، ج4 ص: 38.