الصفحة 48 من 52

المبتدعة [1] . فتكلم هو بحق و عدل و صواب، و صنف كتابه: الرد على الزنادقة و الجهمية، ردا على متكلمي عصره، احتج فيه بدلائل المنقول و المعقول، و أظهر فيه كفاءة عالية في الجدال و الاستدلال، و ضمّنه مناقشات كثيرة سبق ذكر بعضها. و هي تثبت-بلا شك- أن ما رواه عنه إمام الحرمين الجويني من أن مذهبه ينهي عن ملابسة النظر العقلي و الاستدلال به، هو خبر غير صحيح، و قوله هذا قد أنكره علماء الحنابلة، حتى أن الأديب المفسر أبا البقاء العكبري الحنبلي البغدادي (ت 616ه) عندما سمع بما قاله الجويني قال: (( هذا نقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام احمد ) ).و يرى ابن تيمية أن احمد بن حنبل لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يُفضي إلى المطلوب، و أن في كلامه من الأدلة النقلية و العقلية ما لا يوجد في سائر أقوال الأئمة، لأنه اُبتلي بمخالفي السنة فاحتاج إليها للرد عليها [2] .

و ثانيا أُشير هنا إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر أنه وُجدت طائفة من أهل الحديث كان فيها غلو و خصومة للعقل، و لها كلام في الله تعالى بلا علم؛ دخل عليها ذلك من عدم صحة النقل و الخطأ في الفهم،؛حتى أن فيها من يقول -أحيانا- بالقولين المتناقضين، و يتأوّل تأويلات غير صحيحة، يُكفر بها أناسا من الأعيان [3] . و لعل هي التي قصدها ابن قتيبة في انتقاده لطائفة من أهل الحديث، قال أنها أفنت عمرها في جمع طرق الأحاديث و روايتها و تكثيرها، و أهملت فهم الحديث و التفقّه فيه [4] . و هذا الصنف من أدعياء العلم يُوجد في كل طوائف العلماء، و لا يخص أهل الحديث دون سواهم، فلكل علم أدعياء و مقصرون لا يمثلون علمهم أصح تمثيل.

و أهل الحديث -في تخصصهم العلمي- هم على ثلاث درجات، منهم المقتصر على النقل و الرواية فقط، و منهم أهل المعرفة و الدراية بالحديث، و منهم الفقهاء بالحديث العارفون بمعانيه و مراميه [5] .و الطاعنون في المحدثين بقلة العلم و الفهم، يُشيرون إلى الصنف الأول المقتصر على مجرد النقل الفاقد للفهم و الدراية، و ينسون الصنفين الأخيرين، و هم كبار علماء الحديث و السنة الذين لهم مقام كبير عند الأمة، كالشهاب الزهري، و مالك بن أنس، و حماد بن سلمة، و الأوزاعي، و، و عبد الله بن المبارك، و سفيان الثوري، و احمد بن حنبل [6] .

(1) ابن رجب البغدادي: الذيل على طبقات الحنابلة، ج2 ص: 139.و ابن مفلح: الآداب الشرعية و المنح المرعية، ج 1ص: 11، 235، 236.

(2) درء تعارض العقل و النقل، ج 3 ص: 372، 374.

(3) ابن تيمية: نقض المنطق، ص: 22 - 23.و مجموع الفتاوى، ص: 3 ص: 211.و عبد الله بن احمد: السنة، ص: 77، 79، 80.و بدر الدين الحنبلي: مختصر فتاوى ابن تيمية، ص: 216.

(4) تأويل مختلف الحديث، ص: 77.

(5) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 1ص: 12.

(6) ابن قتيبة: المصدر السابق، ص: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت