فهرس الكتاب
و ثالثا إن القول بأن أهل الحديث رفضوا علم الكلام مطلقا، سواء أدى إلى نتائج صحيحة أم باطلة، هو كلام مجمل يجب تفصيله، فهم حقا ذموا الكلام الباطل الذي جاء به المعتزلة و أمثالهم، لأنه مخالف للشرع و العقل معا، لكنهم لم يذموا الكلام الصحيح الموافق للحق، و هذا الذي مارسه أئمة أهل الحديث، و قد سبق أن ذكرنا نماذج كثيرة من مناظراتهم و مناقشاتهم و استنتاجاتهم و إلزاما تهم تثبت بطلان ذلك الاتهام، و تُبرهن على أن لهم منهجا كلاميا متميزا و شاملا، هو في غاية القوة و التنوّع؛ و قد أبدعت عبقريتهم علم مصطلح الحديث، و هو علم إسلامي صرف، دقيق الضبط و التقعيد، و لا نظير له عند غير المسلمين.
و أما ما قاله الباحث مصطفى عبد الرازق، فهو ادعاء متهافت لا يصمد أما الحقائق التاريخية و العلمية، فقد سبق أن ذكرنا عشرات الأمثلة من المناقشات و المناظرات و الاستنتاجات و الالزامات العقلية لكبار علماء أهل الحديث، ردوا بها على خصومهم من المتكلمين، و جمعوا بينها و بين الأدلة النقلية، قبل أن يظهر أبو الحسن الأشعري المُتوفى سنة324 هجرية.
و رابعا إن اتهامات الباحث حسن القوتلي هي اتهامات غير صحيحة، سببها أنه لم يفهم مراد احمد بن حنبل أو أنه لم يرد أن يفهمه، لأن الإمام احمد لم يحارب الاتجاه العقلي لمجرد أنه عقلي، و إنما أنكر عليه تقديمه العقل على الشرع و جعل الشرع تابعا له. و أما استشهاده بقول احمد بن حنبل: (( لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع إسحاق بن راهويه، و لا سفيان، و الشافعي، و لا مالك، و عليك بالأصل ) )، فإن مقصود احمد من ذلك هو تحرير العقل لا الحجر عليه، فحثه على التخلّص من تقليد الرجال و دعاه إلى الرجوع إلى الكتاب و السنة مباشرة، ليفهمهما و يغترف منهما بكل حرية، و هذا دعوة إلى الاجتهاد و نبذ التقليد، و هو تحرير للعقل و ليس تكبيلا له.
و أما زعمه أن أهل الحديث لاحقوا خصومهم ملاحقة عمياء، و نالوا من كل من اشتغل بعلم الكلام دون تمييز، فهو اتهام لا يصح على إطلاقه، لأن مقاومة أهل الحديث لخصومهم هي مقاومة مشروعة و كانت واعية -في معظم الأحيان-و لم تكن عمياء، و قد عاش بينهم كثير من كبار المتكلمين من المعتزلة و الجهمية -زمن أئمة أهل السنة في القرنين الثاني و الثالث الهجريين-، بكل حرية و كانت لهم حلقاتهم و مناظراتهم ذكرنا طائفة منها فيما سبق. و من المعروف أن أهل الحديث هم الذين كانون ضحية التعصب و الإقصاء و الإرهاب الفكري و المادي، على يد المعتزلة الذين فرضوا عليهم القول بخلق القرآن، و أدخلوهم في محنة دامت أكثر من عشر سنوات زمن الخليفة المأمون و المعتصم و الواثق.
و خامسا يبدو لي أن رواج تلك الاتهامات -التي تطعن في المحدثين- بين كثير من أهل العلم، يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، أولها أنه وُجدت طائفة من أهل الحديث اكتفت برواية الحديث دون