الصفحة 50 من 52

التوسع في فهمه، و خاصمت العقل بحجة أن الأحاديث الواردة في فضل العقل كلها لا تصح [1] ؛ و نسيت أن القرآن الكريم قد مدح العقل و العقلاء في آيات كثيرة، و ذم الجهل و المعطلين لعقولهم و حواسهم، و كلنا نعلم أن العقل هو مناط التكليف وجودا و عدما. و ربما اتخذ بعضهم موقفا معاديا للعقل كرد فعل لمبالغة المتكلمين في تعظيم العقل حتى قدّموه على الشرع، دون تفريق بين العقل الغريزي الفطري في الإنسان، و بين العقل المنحرف المصطنع القائم على الهوى و الظن، الذي تدثّر به المتكلمون من المعتزلة و الجهمية و من سار على نهجهم.

و العامل الثاني هو ربما أن ذم المحدثين للمتكلمين و علم الكلام، جعل أهل الكلام يعتقدون أن موقف هؤلاء منهم و من علمهم هو بذاته خُصومة للعقل و دعوة لتعطيله، مما دفعهم إلى التشهير بهم بين الناس و تشويه صورتم في المجتمع. و العامل الثالث هو تعمّد المتكلمين نشر مقالات بعض أهل الحديث التي ربما فيها ذم للعقل، و منع أي نشاط عقلي للرد على المتكلمين، لتشويه صورة المحدثين و إظهارهم بأنهم يخالفون-بذلك الموقف- الشرع و العقل معا.

و يتبين -من هذا المبحث- أنه كانت لأهل الحديث تطبيقات كلامية كثيرة، هي في غاية القوة و التنوّع، ردوا بها على المتكلمين، انطلاقا من منهجهم الكلامي المتميز، و مثّلت في مجموعها ثروة فكرية كلامية ذات أهمية كبرى من جهة، و دليل دامغ يُبطل اتهامات المتكلمين للمحدثين بضيق الأفق و معاداة العقل من جهة ثاني

الخاتمة

كشفت دراستي لمنهج أهل الحديث في ردهم على المتكلمين، أنه كان لهم -أي المحدثون -منهج كلامي-طريقتهم في الرد على المتكلمين-، له أسسه و تطبيقاته منذ زمن الأئمة المجتهدين، في القرن الثاني و الثالث و الرابع الهجريين. و قد كانت أسس منهجهم في غاية التنوّع و الشمولية، جمعت بين صحيح المنقول و صريح المعقول و العلم الطبيعي الصحيح، ذكرتُ منها أثنى عشر أساسا، هي كافية لإرساء قواعد علم كلام إسلامي شرعي صحيح، مغاير تماما لعلم الكلام الذي وضعه المعتزلة و الجهمية و المرجئة، و من سار على نهجهم، و تأثر بهم من الخلف.

و تبيّن أيضا أن تطبيقاتهم لمنهجهم الكلامي كانت متنوّعة، مست قضايا عديدة من قضايا علم الكلام، تجلّت في المناظرات و المناقشات و الإلزامات و الأقوال، التي ذكرنا طرفا منها، دلت كلها

(1) انظر: ابن القيم: المنار المنيف في الصحيح و الضعيف، حققه عبد الرحمن المعلمي، ط2 الرياض، دار العاصمة، 1419 ص: 57 - 58

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت