يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ" [1] ، يقول:"وهذا الحديث يبين أن المعاصي منازل ومزالق، يسلم بعضها إلى بعض، وأن الإيمان يتأثر بما يعرض للقلب من أحوال"."
ويضع الشيخ في هذا السياق كذلك حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّيْنُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِي الْقُرْآنِ:"كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [2] ."
وحسبنا أن الإمام مسلما ـ رحمه الله ـ وضع في صحيحه بابا بعنوان:"بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان".
هل المعصية مرض؟
ومما طرحه الشيخ كذلك هذا التساؤل: هل المعصية مرض؟ ويقرر أنها فعلا مرض مستدلا بآيات من القرآن، مثل قوله تعالى:"لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا". الأحزاب: 60. وقوله:"وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا". الأحزاب: 12. يقول:"وهذه الآية قد يكون معناها: وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض، فهي صفات متعاطفة يكشف بعضها خفاء بعض، أو يكون الذين في قلوبهم مرض صنفا آخر من الناس أشبهوا المنافقين في جزعهم من الأعداء وجبنهم عند اللقاء، وشكهم في أمر الرسول وعاقبته، فالتحقوا بهم وصاروا لذلك منهم" [3] .
ويرى الشيخ الغزالي أن أولى الأمراض النفسية ظفرا بالرحمة والعطف في دين الله، هي الأمراض التي تصيب الإرادة الإنسانية في محاولاتها المتكررة المتعثرة أن تصل إلى الكمال المنشود، فإن المرء إذا طلب السمو بنفسه عن الدنايا، لاحقتْه من طبيعته الأرضية نزعاتٌ شتى قد تُزِلُّهُ عن الخير، حتى يكاد ييأس من بلوغه، فتمرض إرادته، ويَضْعُف عزمُه، وهنا يتدخل الدين بتعاليمه ليعيد إلى الإرادة صحتها وقوتها، حتى تسعى بصاحبها إلى الكمال ما دام حيا [4] .
هذه وقضايا أخرى نرى فيها تجديدا في العرض، وتضمينًا في مباحث دراسة العقيدة، تناولها الشيخ الغزالي، مثل المسوِّغ لوجود الحياة وفنائها، والعلاقة بين النبوة والعبقرية وغير ذلك [5] .
سابعا: ضرب أمثلة مُحَسَّة من الواقع المعيش:
وقد مر في استشهادات سابقة ما يؤكد أن الشيخ يعتمد في تقريره للحقائق وبرهنته على المسائل ـ على أمثلة حية يلمسها الناس في الواقع المعيش، ومما سبق مثال الزهرة بألوانها المختلفة التي تنبت في الأرض السبخة، وتنظيم حركات المرور في القاهرة مثلا، وإعداد الثوب بالخيط والإبرة، وغير ذلك.
ولضرب الأمثلة الحية الحاضرة في حياة الناس أثرٌ كبير في إقناع العقل وطمأنة القلب، وهذا منهج قرآني؛ حيث إن الأمثلة الموجودة في القرآن مستقاة مما يراه الناس، سواء في السموات أو في الأرض.
والإنسان بطبيعته لا يقتنع غالبا إلا بما يراه وما يحسه، حتى في قضية الثواب والعقاب لا يرتدع إلا بما يراه، ولا يرغب إلا فيما أمامه، ومن هذا الباب:"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" [6] ، ومن هنا ذهب كثير من الملاحدة إلى إنكار
(1) الحديث رواه مسلم بسنده عن حذيفة: كتاب الإيمان. باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وإنه يأرز بين المسجدين.
(2) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة: 13/ 333. حديث رقم: (7952) ، وقال شعيب الأرنؤوط:"إسناده قوي"، وانظر عقيدة المسلم: 148 - 149، والآية هي رقم 14 من سورة المطففين.
(3) عقيدة المسلم: 160.
(4) نفسه: 161.
(5) نفسه: 213 - 215، 190 - 195.
(6) كلمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذكر السيوطي في الدر المنثور: 4/ 199. نحوه من قول عمر بن الخطاب، وعزاه للخطيب البغدادي، وذكره ابن كثير مرفوعا في تفسيره: 5/ 111. دار طيبة للنشر والتوزيع. الطبعة الثانية. 142هـ - 1999م. وانظر البداية والنهاية: 2/ 301. طبعة هجر بتحقيق التركي. الطبعة الأولى. 1417هـ.