الصفحة 3 من 7

ويعجبني في هذا المقام كلام نفيس للعلامة ابن القيم رحمه الله- حيث يقول: ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف أن الوجود متعلّق خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العلا، ومرتبط بها، وأن كل مما في العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها فاسمه الحميد، المجيد، يمنع ترك الإنسان سُدًى مهملًا معطلًا لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك، وهكذا فكل اسم من أسمائه له موجبات، وله صفات لا ينبغي تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها، والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال، وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله، ويحلم عنه، ويتوب عليه، ويسامحه بموجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك. وما يحمد به نفسه ويحمد به أهل سماواته وأهل أرضه، وما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده، وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان ِآثارهما. ومن آثارهما مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة عن الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق، والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتهما، فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته كما قال عيسى عليه السلام في القرآن (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [5] . أي مغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك لست كمن يغفر عجزًا، ويسامح جهلًا بقدر الحق، بل أنت عليم بحقك، قادر على استيفائه، حكيم في الأخذ به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت