الصفحة 22 من 28

هذا الاستخدام القرآني يختلف جدًا عن استخدام بعض المتكلمين إذ جرت عادتهم على استخدامه في الصفات والأفعال الإلهية مما جر إلى كثير من الأخطاء .

واستخدم القرآن الكريم التسليم الجدلي للخصوم ثم كر على مقالاتهم بالنقض والإبطال ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل: ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ((1) . والمعنى ليس مع الله عز وجل إله ، ولو سلم ذلك لكم لزم من ذلك ذهاب كل إله بما خلق وعلوُّ أحدهما على الآخر ، فلا يتم في العالم أمر ، ولا ينتظم فيه حكم والواقع خلاف ذلك ، لأن نظام العالم قائم على أحسن حال ، والتناسق الموجود في الكون غاية في الجمال ، فبطل إذن وجود آلهة غير الله عز وجل لأنه يلزم من ذلك اختلال النظام في العالم ، وهذا النوع لا يختلف عن قياس الخلف إلا من جهة التسليم الجدلي المذكور اقتراضًا وليس حقيقة وواقعًا (2) . ومن أمثلة ذلك أيضًا قوله تعالى يحكي عن الأنبياء وأقوامهم:

(قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ((3) فهنا تسليم جدلي من الأنبياء عليهم السلام للمنكرين لنبوتهم لأنهم بشر بأنهم بشر حقًا ولكن ليست البشرية مانعًا من النبوة (4) .

(1) : سورة المؤمنون آية 91 .

(2) انظر: الإتقان للسيوطي ص 56 / مجلد 2 جزء 3 ومناهج الجدل للألمعي ص 82 .

(3) : سورة إبراهيم آية 10-11 .

(4) انظر: الإتقان للسيوطي ص 57 / مجلد 2 جزء 3 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت