فهرس الكتاب
واستخدم القرآن الكريم طريقة القسمة ويضرب السيوطي (1) مثلًا لذلك بقوله عز وجل: ( ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ … ((2) .
هذه الأمثلة القرآنية لاستخدام صور متعددة في الاستدلال ، كان لها الأثر الكبير في مناهج المتكلمين الذين استخدموها بشكل واسع النطاق ، ولكن ما ينبغي المقارنة بين المنهج القرآني في الاستدلال ، والمنهج الكلامي ، ذلك لأن القرآن الكريم لا يخوض في التقسيمات والتشقيقات والتفريعات المملة والمرهقة التي نجدها لدى بعض المتكلمين ، والتي لا تؤدي إلا إلى إتعاب الناظر ، وإجهاد عقله وفكره دون جدوى ، إضافة إلى أن جدل المتكلمين موجه إلى العقل فقط ، فهو لذلك يتسم بالجفاف والتعقيد ولا يعطي في الغالب ثمرة إيجابية ، لأن اليقين العقلي لا يكفي وحده لدفع الناس إلى الالتزام ، إذ لا بد من أن يقترن هذا اليقين بدافع من الحب أو الخوف أو الرغبة أو الرهبة ، وهذا هو منهج القرآن الكريم الذي لا يفصل دائمًا بين الدليل العقلي ، والوازع القلبي والعاطفي ، ويقرن دائمًا الترغيب والترهيب بأدلة العقول والنظر ، فلنتأمل في بعض هذه الآيات يقول عز وجل: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا( مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (( 3) . فهو بعد أن توعد المنافقين استثنى منهم التائبين والمخلصين ثم بين أنه عز وجل غني عن عذاب العالمين: ( ما يفعل الله بعذابكم (. أي أنه عز
(1) انظر: السابق ص 55 / مجلد 2 جزء 4 .
(2) : سورة الأنعام آية 143 .
(3) : سورة النساء آية 145-147 .