فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 1344

بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ

[سبل السلام] (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (فَحَسِّنْ خُلُقِي) بِضَمِّهَا وَضَمِّ اللَّامِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) قَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادِ خَلْقًا وَخُلُقًا، سُؤَالُهُ ذَلِكَ اعْتِرَافًا بِالْمِنَّةِ وَطَلَبًا لِاسْتِمْرَارِ النِّعْمَةِ وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ."

[بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ]

[الدُّعَاء مخ العبادة]

الذِّكْرُ مَصْدَرُ ذَكَرَ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ (وَالدُّعَاءُ) مَصْدَرُ دَعَا وَهُوَ الطَّلَبُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَثِّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ نَحْوُ دَعَوْت فُلَانًا اسْتَعَنْته. وَيُقَالُ: دَعَوْت فُلَانًا سَأَلْته، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا.

(وَاعْلَمْ) أَنَّ الدُّعَاءَ ذِكْرُ اللَّهِ وَزِيَادَةٌ فَكُلُّ حَدِيثٍ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِدُعَائِهِ فَقَالَ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ فَقَالَ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] وَسَمَّاهُ مُخَّ الْعِبَادَةِ فَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» وَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْعُهُ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» وَالْأَحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ وَالِاعْتِرَافَ بِغِنَى الرَّبِّ وَافْتِقَارَ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعَجْزَ الْعَبْدِ وَإِحَاطَتَهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فَالدُّعَاءُ يَزِيدُ الْعَبْدَ قُرْبًا مِنْ رَبِّهِ وَاعْتِرَافًا بِحَقِّهِ، وَلِذَا حَثَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ دُعَاءَهُ بِقَوْلِهِ: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] الْآيَةَ وَنَحْوَهَا وَأَخْبَرَنَا بِدَعَوَاتِ رُسُلِهِ وَتَضَرُّعِهِمْ حَيْثُ قَالَ أَيُّوبُ: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] وَقَالَ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء: 89] وَقَالَ: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} [مريم: 5] وَقَالَ أَبُو الْبِشْرِ {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] الْآيَةَ وَقَالَ يُوسُفُ: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} [يوسف: 101] - إلَى قَوْلِهِ - {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101] وَقَالَ يُونُسُ: {لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] وَدَعَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوَاقِفَ لَا تَنْحَصِرُ عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ وَغَيْرِهَا، وَدَعَوَاتُهُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مَعْرُوفَةٌ. فَالْعَجَبُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ قَالَ التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت