الصفحة 137 من 372

وإذا لم يعجب هذا القول المتمسكين بالقول أن المراد أن التوراة بها هدى. فكما قلنا سابقًا أن التحريف هو اختلاط الصدق بالكذب لذلك فوجود أكاذيب في التوراة لا يمنع هدى ما بقي على أصله ولم يتغير من التوراة وأشار إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله (لا تكذبوهم) . فليس كل التوراة قد غيرت وبدلت بل فقط حرفت.

هذا هو الفيصل بين الهدى والعصمة. فليس بالضرورة أن يكون الهدى مقصور على ما هو معصوم من الكتب. فلا أحد ينكر أن الحديث الشريف مصدر من مصادر الشريعة الإسلامية وهو غير معصوم. كذلك تعاليم الأنبياء كما كانت الحنيفية قبل الإسلام وقصص التاريخ التي توضح قوانين الحياة مثل قصص القرآن وقصص الرجال العظماء. كل هذه المصادر غير معصومة ولكن يمكن أن تكون مصدر للهدى ولا يمنع التعلم منها ولكن تبقى المرجعية الأساسية في القيم والأخلاق هو الكتاب الإلهي المعصوم القرآن.

نستمر في تفسير الشيخ بطرس ونصل إلى الآية التالية.

في سورة المائدة يقول (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) طب لو كانوا محرفين يقول لهم إزاي تقيموهم ده الحكم.

كالعادة يأخذ القمص ما يريد فقط كمن يقول: لا تقربوا الصلاة. ولكن إذا عدنا إلى الآية 68 {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . وتأتي الآية في سياق مساجلة يقوم بها القرآن لشرح أخلاق اليهود في المدينة وكذلك أوصاف وأخلاقيات أهل الكتاب من الآية 57 ويستمر حتى الآية 86 وبها صفات كثيرة لمن أمن بالرسول وبمن كفر به وكذلك صفات لليهود وما فعلوه بالأنبياء والنصارى وعلاقتهم برجال دينهم. والمجال هنا لا يتسع لشرح كل هذه الآيات، لكن تظل الآية 66 هى المتصلة المباشرة بموضوع الآية التي استدل بها القمص وتقول {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} . فلماذا هذه الآية بالتحديد هى المتصلة بموضوعنا. سينقشع هذا الغموض بعد أن نعرف ما يقوله المفسرين عن هاتين الآيتين. ونبدأ بالآية 66 سورة المائدة.

المنتخب: ولو أنهم حفظوا التوراة والإنجيل كما نزلا، وعملوا بما فيهما. وأمنوا بما أنزل إليهم من ربهم، وهو القرآن، لوسع الله عليهم الرزق يأتيهم من كل جهة يلتمسونه منها.

السمرقندي: (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) يعني: أقروا بما فيها، وبينوا ما كتموا، (وما أنزل إليهم من ربهم) يعني: بما أنزل إليهم من ربهم، يعني: عملوا بما أنزل إليهم من ربهم في كتابهم.

ابن عباس: (ولو إنهم أقاموا التوراة والإنجيل) أقروا بما في التوراة والإنجيل وبينوا ذلك يعني صفة محمد ونعته (وما أنزل إليهم من ربهم) وبينوا ما بين لهم ربهم في التوراة والإنجيل ويقال أقروا بجملة الكتب والرسل من ربهم.

في هذه الآية يؤكد المفسرون أن اليهود والنصارى لم يقيموا أحكام وأخلاق كتبهم ودليل ذلك القول بحرف (لو) وهو الحرف الذي تكرر في كثير من الآيات والتي تؤكد على امتناع أصحاب الكتب السابقة عن الحفاظ على ميثاق الدين مع الله. ولكن قد يقول القارئ لم أفهم الرابط حتى الآن. ويوضح هذا الرابط تفسير الآية 68 التي أشار إليها القمص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت