الصفحة 138 من 372

الجلالين: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء) من الدين المعتد به (حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم) بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان بي (وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك) من القرآن (طغيانًا وكفرًا) لكفرهم به (فلا تأس) تحزن (على القوم الكافرين) إن لم يؤمنوا بك أي لا تهتم بهم.

ابن عباس: (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب) يعني اليهود والنصارى (لستم على شيء) من دين الله (حتى تقيموا التوراة والإنجيل) حتى تقروا بما في التوراة والإنجيل (وما أنزل إليكم من ربكم) من جملة الكتب والرسل.

المنتخب: يا أيها الرسول، قل لأهل الكتاب إنكم لا تكونون على دين صحيح، إلا إذا أعلنتم جميع الأحكام التي أنزلت في التوراة والإنجيل وعملتم بها، وأمنتم بالقرآن الموحي به من الله إلى رسوله لهداية الناس، ولتتيقن -أيها الرسول- أن معظم أهل الكتاب سيزدادون بالقرآن -الموحى به إليك- ظلمًا وكفرًا وعنادًا، لحسدهم وحقدهم، فلا تحزن على الذين طبعوا على الجحود.

الدر المنثور: أخرج بن إسحاق وابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الصبفا ورافع بن حرملة، قالوا: يا محمد ألست تزعم إنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من حق الله؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من إحداثكم. قالوا: فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله فيهم (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) إلى قوله (القوم الكافرين) .

هنا اتضحت العلاقة وانقشع الغموض، فهذه الآية حسمت الجدل الذي يحاول القمص أن يجرنا إليه بعد كل هذه الفترة الزمنية والذي سبق أن ثار في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو طالما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعترف بالكتب والرسل السابقين فهذا يلزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه بما لدى القمص من الكتاب المقدس واعتراف بما يحتويه على إطلاقه. ولكن القرآن ربط هذا الاعتراف بأن يحافظ أصحاب الكتب على أصولها غير محرفة وهو الذي أكده الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر في تفسير الدر المنثور. كذلك أن يعمل أصحاب الكتاب بما أنزل الله فيه كاملًا غير منقوصًا وتحسبًا للتغيير والتبديل في الكتب السماوية يربط القرآن دائمًا الكتب والرسالات السابقة عند الحديث عنها بكلمة أنزل أو يضيفها عطفًا على هذه الكتب كما ذكر في الآية. وقد يقول البعض وذكره المفسرين أن المقصود بمعنى وما أنزل هو إضافة كتب الأنبياء إلى التوراة والإنجيل. لكن يأتي الرد في نفس السورة وفي الآية 47 {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . هنا ذكر الإنجيل مفردًا وقال (أنزل الله فيه) أي صورته المصدرية كما تكرر سابقًا مع التوراة. وليس المقصود كم الكتب التي نزلت على الأنبياء عمومًا. هذا يقودنا إلى القضية الرئيسية التي أثارتها الآية وهى أن أهل أي دين هم من يلتزموا بتعاليمه فالدين ليس علاقة مثل علاقة الدم والنسب ولكن الدين هو علاقة الإنسان بربه وهى مستمرة ما دام الإنسان يلتزم بتعاليم الدين وأحكامه وهو الشيء الواضح في أقوال المسيح [وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه وإخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلموه. فقال له واحد: هو ذا أمك وإخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلموك. فأجاب وقال للقائل له: من هى أمي ومن هم إخوتي؟ ثم مد يده نحو تلاميذه وقال: ها أمي وأخوتي لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي (متى 12: 46 - 49) ] .

أي أن رابط العقيدة أكبر من رابط الدم وهو الأمر الذي غاب عن بني إسرائيل الذين اعتقدوا لكثرة الأنبياء فيهم أن الدين أصبح قومي ملازم لهم واعتقدوا أنهم شعب الله المختار بصرف النظر عن أفعالهم. وهو الشيء الذي حذرهم منه يوحنا المعمدان [فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون إلى معموديته، قال لهم: يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الأتي؟ فاصنعوا أثمار تليق بالتوبة ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أبًا لأني أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم (متى 3: 7 - 9) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت