فهرس الكتاب
والثاني: أن المراد بالتحريف: إلقاء الشبهة الباطلة، والتأويلات الفاسدة وصرف اللفظ عن معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعل أهل البدعة في زماننا هذا بالآيات المخالفة لمذاهبهم وهذا هو الأصح.
الثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.
المسألة الرابعة: ذكر الله تعالى ههنا (عن مواضعه) وفي المائدة (من بعد مواضعه) (المائدة 41) والفرق أنّا إذا فسرنا التحريف بالتأويلات الباطلة فههنا قوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه) معناه: أنهم يذكرون التأويلات الفاسدة لتلك النصوص، وليس فيه بيان أنهم يخرجون تلك اللفظة من الكتاب. وأما الآية المذكورة في سورة المائدة، فهى دالة على أنهم جمعوا بين الأمرين، فكانوا يذكرون التأويلات الفاسدة، وكانوا يخرجون اللفظ أيضا من الكتاب، فقوله: (يحرفون الكلم) إشارة إلى التأويل الباطل وقوله: (من بعد مواضعه) إشارة إلى إخراجه عن الكتاب].
ووصلت غيبوبة القمص لحد أنه لم يعد يفرق بين التفاسير فهو ينسب للرازي تفسير الدر المنثور للسيوطي!!!. أن الأقوال التي ذكرها في تفسير الدر المنثور في تفسير سورة البقرة هكذا بدون أن يحدد لأي آية. وبالبحث في تفسير الدر المنثور لم نجد ما ذكره القمص منسوب للرازي أو حتى في تفسير سورة البقرة ووجدناه في تفسير الآية 78 سورة آل عمران قال: (عن ابن عباس في قوله(وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب) قال: هم اليهود كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينزل فيه]. ويضيف التفسير: [عن مجاهد (يلوون ألسنتهم بالكتاب) قال يحرفونه] . ثم يأتي الكلام الذي ذكره القمص منسوبا لمفسر وسورة أخرى. [أخرج ابن منذر وابن أبي حاتم عن وهب ابن منبه قال: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلون بالتحريف في التأويل، بكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ويقولون هى من عند الله وما هى من عند الله. فأما كتب الله فإنها محفوظة لا تحول] .
إلى هذا الحد وصل الخلط والجهل والتدليس الذي يمارسه القمص مع المشاهد فهو يدخله في متاهات حتى لا يعرف المتلقي الخطأ من الصواب ويكون لقمة سائغة لما يقال له ليس عن قناعة بل عن تشويش فمحاولة منه للتشبث بأي رأي يختار ما يعرض عليه بدون تفحص أو تمحيص وذلك للخروج من الدوامة الفكرية التي يصنعها القمص أو بالأحرى يصنعها من يكتبون للقمص فهو مجرد واجهة جاهلة لا تعرف ماذا تقول وأداة لا تعرف أبعاد ما تصنع. وبعد ذلك يتهم القمص المسلمين بعد الدراسة وعدم الفهم وعدم القراءة وعدم المعرفة.
والآن لتبرئة ساحة الرازي سنعيد ذكر باقي ما ذكره في تفسيره عن الآيات التي ذكرت التحريف واستدل بها القمص في حلقاته لنصل في النهاية لرأي الرازي الحقيقي. والذي سيكون مفاجأة للقارئ وصدمة للقمص.
ذكر الرازي في تفسيره عن الآية 75 سورة البقرة [المسألة الأولى: قال القفال: التحريف التغيير والتبديل وأصله الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى (إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة) (الأنفال 16) والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال: فلم محرف إذا كان رأسه قط مائلًا غير مستقيم.
المسألة الثانية: قال القاضي: إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله إذا كان باقيًا على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روى عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقضوا فهو أولى، وإن لم يمكن فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتًا، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهورًا متواترًا كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه، لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلابد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه. فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم وغيرها.