الصفحة 162 من 372

أي أن ابن عباس يؤكد على أن التحريف وقع في التوراة والإنجيل، ومن قال بامتناع التحريف هم المتكلمين كما ذكر الرازي. ولكن القمص قلب أقواله ونسب القول إلى ابن عباس - وهو منه براء - إلى أنه ممتنع وقوع التحريف اللفظي بل يحرفون ظاهر التوراة والإنجيل. فهل يوجد تدليس أكثر من ذلك.

ثم يعود القمص لينسب كلام للمفسر لم يقله ولا أدري هل قرأ التفسير بنفسه قبل أن يكتب الحلقات كما يدّعي أم أن من يكتب له الحلقات لا يتمتع بخط مقروء. فتفسير الرازي عن الآية 78 سورة آل عمران يقول: [السؤال الثاني: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟. الجواب: لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل يجوز عليهم التواطؤ ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام. وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكنًا] .

ويؤكد هذا الكلام في موضع أخر لتفسير نفس الآية فيقول: [واعلم إنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة، وإعراب ألفاظها، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منها على الكذب] .

هذه هى أقوال الرازي وهى تختلف عما ذكره القمص بخصوص نفس الآية. وهنا الرازي يضع شرط لوقوع التحريف اللفظي للتوراة حتى يقال بإمكانية قيام اليهود بذلك وهو أن يكون المختصين بالتوراة قلة يسهل الاتفاق بينهم على التحريف وجهل العامة بأصل التوراة وإتباعهم للقلة حتى لا يراجعوهم في هذا التحريف. هو الشرط الذي تحقق طوال السنين ولمدة تزيد عن ألف سنة فقد كانت التوراة في الهيكل وكان الكهنة هم المختصين بدراسة وتفسير التوراة للشعب ثم بعد العودة من السبي زادت الأمور سوءًا بفقد اليهود العائدين للسانهم العبري لدرجة أن عزرا قام بترجمة صلواته من التوراة وظهور ترجمة لها بالآرامية سميت الترجوم وتكرر الأمر في الجزيرة العربية بظهور ترجمة عربية أو بعض النصوص العربية للأصل العبري.

من هذا يتضح تحقق الشرط الذي ذكره الرازي في تفسيره. فاليهود كانوا مجرد متلقين طوال عقود لما يقال لهم من الكهنة وأن طاعتهم كانت كاملة لهم على حساب الأنبياء الذين ارسلوا ليقاموا عبث وأكاذيب الكهنة بالتوراة لمصالحهم وأهوائهم الشخصية. ولم يقتصر الأمر على أتباع التوراة فانتقل أيضًا لأتباع الإنجيل فأصبح للمسيحية مؤسسة ورجال دين يختصون بتفسير الإنجيل لأتباعهم الذين يكتفون بتلقي ما يقال لهم من القساوسة وهو ما ذكره القرآن من اتخاذ النصارى أحبارهم وقساوستهم أربابًا من دون الله يشرعون لهم ما هو الحرام والحلال.

وأكد الرازي حدوث التحريف عند تفسير الآية 79 سورة آل عمران فقال: [أعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدّعي الإلهية وكان يأمر قومه بعبادته] . أي أن الرازي لا يؤكد فقط على وقوع التحريف في التوراة والإنجيل بل أيضًا تحريف أقوال المسيح وإلصاق تهمة دعوته إلى أتباعه بعبادته.

وتتضح أكاذيب القمص أكثر عندما أسقط أقوال كاملة للرازي فاجتزأ هذه التفسيرات ليختار ما يوافق تحريفه ضاربًا عرض الحائط بمنهجية ومصداقية البحث العلمي. وحتى نبرئ ساحة الرازي نعرض كل ما ذكره عن الآية 46 سورة النساء.

[المسألة الثالثة: في كيفية التحريف وجوه: إحداها أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر مثل تحريفهم اسم (ربعة) عن موضعه في التوراة بوضعهم (أدم طويل) مكانه، ونحو تحريفهم (الرجم) بوضعهم الحد بدله ونظيره قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله) (البقرة 79) . فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر المشهور في الشرق والغرب؟ قلنا لعله يقال: القوم كانوا قليلين، والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلة فقدروا على هذا التحريف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت