فهرس الكتاب
والآن علينا أن نكتشف أفكار بولس من رسائله لنحدد هل هى قريبة من تعاريف الهرطقة وتتشابه أسباب تشكلها مع العوامل التي أدت إلى ظهور الهرطقات أم انه لا يوجد أي علاقة سواء في الفكر أو العوامل التاريخية المصاحبة لظهوره بين لاهوت بولس والهرطقات الني ظهرت في تاريخ المسيحية.
منذ تحول بولس الغامض للمسيحية كان يحمل دائما بذرة التمرد على الموجود (وكان شاول لبضعة أيام مع التلاميذ الذين كانوا في دمشق, وفي الحال كرز بالمسيح في المجمع انه ابن الله. وهذه الشهادة الجديدة عن المسيح جديرة بالالتفات, لان بطرس كان يشهد عن يسوع إن الله أقامه ربا ومسيحا, أما بولس فقد كرز به في أعلى درجات مجده كابن الله) [1] .
ووجد بولس ضالته في كنيسة أنطاكية التي كانت تربة خصبة لكل جديد بسبب نشأتها التي تعتبر تمرد على القديم فكانت ترحب بكل جديد في الفكر واللاهوت وكان فكر بولس يتحول تدريجيا وفقا لمبدأ كنت لليهودي كيهودي ولليوناني كيوناني فلم يكن يتبع أسلوب الصدمة بل التحدث لكل طرف كما يحب المتلقي لذلك ونجد في رسائله كيفية تطور أفكاره وتكون لاهوته.
إذا نحيّنا جانبا الجدال حول زمن كتابة كل رسالة من رسائل بولس حتى نحدد التطور الزمني لفكر بولس وارتباطه بالأحداث المصاحبة له وأخذنا تطور تكون لاهوت بولس فكريا فقط ومرتبط بمضمون الرسائل بعيدا عن الظروف المصاحبة لها. سنجد أن هناك ثلاث رسائل أساسية توضح تطور فكر بولس وأسلوبه في التبشير, وهو الأسلوب الذي ينقسم إلى ثلاث مراحل:
1 -المهادنة , 2 - المصارحة التي تؤدي إلى المقاطعة مع القديم , 3 - البديل.
فهو يبدأ بالمهادنة مع ما هو ثابت وموجود في فكر المتلقي لا يصطدم به حتى لا يتكون موقف نفسي مبكر لدي المتلقي ينفّره مما سوف يسمعه ولكي يكتسب ثقة المتلقي والاطمئنان له لأنه يجد كلام بولس منسجما مع معتقداته ولا مانع من ادعاءه الاحترام والتبجيل لهذه المعتقدات. ويبدأ بولس المرحلة الثانية بعد ثقته بأن المتلقي قد وثق به وامن جانبه, في الدعوة للتفكير المنطقي ومطالبته للمتلقي بإعمال العقل في ما هو ثابت لديه من معتقد ويشكك السامع فيما هو مؤمن به وتعارضه مع ما سبق أن أقنعه بولس به من معتقدات جديدة غير مدرك - المتلقي - إن اقتناعه المسبق بفكر بولس يعود إلى توافقها مع أفكاره الأساسية مرجعية أولى ولذلك فأفكار بولس هى النتائج التي تقاس على أساس معتقدات المتلقي وليست هى المرجعية التي يقاس عليها. وفي المرحلة الثانية يحاول بولس أن يجعل مبادئه وأفكاره تأخذ مكان معتقدات المتلقي رويدًا وعلى مهل وبدون أن يشعر وتكون بديلا لها حتى تصبح هي المرجعية والأساس الذي يحتكم إليه وعندما ينجح في هذا المسعى هنا يظهر وجه الحقيقي بالإفصاح عن تعارض الأفكار وعلى المتلقي ترك كل ما يخالف أفكار بولس متجاهلا انه في البدء مارس كل أنواع وأساليب الإقناع ليثبت توافق أفكاره مع أفكار المتلقي التي يرفضها الآن ولكن قد سبق السيف العزل فالمتلقي أصبح تحت التأثير الفكري الموجه كالمنوم مغناطيسيا وفي المرحلة الثالثة يكون المتلقي الذي تم إفراغ عقله في حالة تسليم كامل لملء هذا الفراغ فيتم ملئه بالأفكار الجديدة ولا يكون المتلقي في حالة من اليقظة الفكرية أو لديه من المرجعية المنطقية ليناقش الأفكار الجديدة بل يكون مثل الأرض الجافة التي تشرب المياه مهما كانت طبيعتها سواء نقية أو ملوثة.
لعلك لاحظت عزيزي القارئ أن هذا الأسلوب لازال متبع حتى اليوم فبولس ليس فقط هو رسول مسيحية الأمم في أفكاره بل في سلوكه وأسلوبه في التبشير أيضا. فهذه المراحل الثلاث تطبق على المسلمين الآن. فتحت لافتة وعار براق يسمى حوار الأديان والبحث عن قواعد مشتركة بين الإسلام والمسيحية يتم الدخول إلى العقل المسلم حتى يتم اكتساب ثقته ووضع أساس شرعي إسلامي للأفكار المسيحية ولم يفكر احد من المسلمين بمراجعة هذه الأفكار والمبادئ المسيحية للبحث عن مصداقيتها الذاتية أم مجرد وضع اسم المسيح يعطيها القداسة الإلهية. ثم في المرحلة الثانية وتحت مبدأ وشعار براق آخر يسمى تجديد الخطاب الديني يتم تغيير الثوابت والأفكار الإسلامية التي تتعارض مع الأفكار
(1) مختصر تاريخ الكنيسة - أندرو ملر.