الصفحة 4 من 372

المقدمة

بدأت حكايتي مع القمص في إحدى الأيام الصيفية وكنت أمارس هوايتي في إدخال الترددات الجديدة في جهاز استقبال الأقمار الصناعية. وعند البحث في القنوات الجديدة المخزنة وجدت الحلقات التي يتحدث فيها القمص مع المذيعة وكان شيء جديد على أن أرى احد رجال الدين المسيحي يتحدث في مواضيع جديدة ليست متكررة عن الوحدة الوطنية والهلال والصليب. وزاد فضولي أكثر عندما بدا في التحدث في أمور كانت لدي رغبة في معرفة أراء رجال الدين المسيحي فيها. فطوال السنين كانت الكنائس لدينا بمثابة مناطق معزولة ومغلقة لا نعرف ما يدور فيها تمامًا كالماسونية والمنظمات الأخرى التي نسمع عنها ولا نراها. وأصبحت من متابعي القمص وخاصة عندما تحدث عن الأرضية المشتركة التي يريد أن يوجدها مع الإسلام والتأكيد على أن ما يقول هو لزيادة الترابط وإزالة سوء الفهم المتبادل بين المسيحية والإسلام. وحرصت على متابعة حلقات القمص لتصبح أكثر المشاهدات المفضلة لدي رغم ما كنت أراه من أخطاء شائعة وساذجة كان يقع فيها وكثير من محاولات التدليس وإلباس المفاهيم الإسلامية أثواب ليس لها. ولكن تغاضيت عن كل هذا تحت دعوى تقريب وجهات النظر التي كانت سائدة في تلك الأيام.

لكن الحال انقلب منذ الحلقة التاسعة عشر وتوارى في الخلف حوار الأديان والأرضية المشتركة التي يريد القمص الوقوف عليها, وغابت ضحكة القمص وبشاشته وانقلبت إلى عبوس وكآبة وجه بل بدل المذيعة الضاحكة دائما ببلاهة التي لا تعرف ما يدور حولها إلى مذيع من المفروض انه مسلم وكان يصلي في مكة رغم انه يجهل معنى أن يبلغ الرجل الحلّم. وبدأت مرحلة جديدة في حلقات القمص كانت على النقيض من سابقاتها, حلقات ملئ بالهجوم المبتذل والسفاهات وحماقات الفكر التي لا يمكن أن تقف أمام منطق سليم أو تفكير عاقل متزن. وزاد الطين بله انه اخذ يدلس على القرآن والسنة والتفاسير ويأخذ أجزاء مبتورة من سياقها لتعطي معاني مختلفة عند وضعها في سياق كلامه بل انه اخذ يفسر القرآن وكلماته على هواه فيترك هذا ويأخذ ذاك لتصب الأمور في النهاية لمصلحة أفكاره المعوجة.

وبدأت رائحة القمص تفوح وبدأ الاعتراضات في الصحافة تنتشر وخرجت الكنائس ورجالها بنفاقهم المعهود ليمتصوا غضب المسلمين, يقولون أن هذا القمص هو شخص شارد ومشلوح من الكنيسة ولكن سرعان ما انكشف المستور وزالت الغشاوة فاتضح أن هذا القمص هو بداية الغيث فسرعان ما تغيرت اللهجة بعد زوال الصدمة الأولى وبدأ كثير من المسيحيين - سواء رجال الكنيسة أو العامة - في كشف وجههم الآخر ودشنت حملة الدفاع عن القمص وانه يصرح بما كانت تطويه الصدور زمنًا طويلًا وازدادت الأمور سوءًا فبعد الهجوم على التطرف أصبح الهجوم على الإسلام السياسي وكان القمص هو بداية الهجوم على الإسلام كدين وأكدت هذه الحقيقة محاضرة البابا بندكت عن الإسلام والعنف [1] . وكذلك بدأت تتضح المتغيرات بالنسبة لشركاء الأمة من المسيحيين وظهرت الأفكار المشوشة والنوايا الخبيثة جلية والتي تكونت بمعزل عن انتباه الأغلبية المسلمة. واكتشفنا أن ما يقوله القمص ليس كما كان يكذب - وهو فعل ذلك كثيرًا - ويقول انه نتيجة قراءاته ودراساته بل أن هذه الأفكار كانت تتناقل وتتداولها المؤتمرات التبشيرية المسيحية طوال سنوات وإلا فكيف يردد البابا بندكت نفس كلمات القمص عن الإسلام المكي والمدني وماذا يجمع قساوسة مصريين مع نظرائهم اللبنانيين في سرد نفس الكلام والاتهامات ضد الإسلام [2] . فظهر

(1) محاضرة البابا بندكت السادس عشر عن الاسلام والعنف

(2) المسيح في الاسلام للدكتور مشيل الحايك - تعقيب د/ محمد عمارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت