وان أكثرهم لا علاقة له بالإسلام سواء دينًا أو فكرًا. فتحول الدفاع عن الإسلام من فرض كفاية إلى فرض عين. أما من ناحية أنني مؤهل فأحسب أن تخصصي العلمي في تحليل وتصميم النظم يجعلني انظر إلى الأمور من زاوية جديدة قل من طرقوها. فالجميع سارع إلى الرد على القمص ولكن القليل هم من فكر في الأساس الذي بنى عليه القمص قضاياه هل هو أساس سليم قبل الرد عليها. ففي القانون لابد أن ترفع الدعوى على أساس قوي وموضوعي من الحجج والبراهين لقبولها من القضاء ثم بعد ذلك يتم بحثها والرد عليها لذلك لابد من ملاحظة هامة إن من يقوم بالرد على القمص فقد اعترف بوجود قضية وسواء كان الرد مقنع أو غير مقنع فقد كانت هناك قضية والقمص مثله مثل الآخرين كان يتساءل ولا جناح عليه. أما إذا نظرنا إلى كلام القمص نظرة مختلفة نقول هل القمص لديه قضية من الأساس. فالقمص مطالب أن يطرح الحجج والبراهين التي بنى عليها ادعاءاته للنقاش فإذا ثبت صحتها ناقشناها. وبتطبيق هذا المبدأ سنكتشف أن القمص حاول صنع قضية من لاشيء وانه إما جاهل فعليه التعلم وإما سيئ وخبيث النية وعليه لا يلتفت إلى أقواله كشاهد الزور الذي لا تقبل شهادته. ولا يعتقد البعض إن هذه محاولة للالتفات على القضايا الأساسية, فيستدرك البعض ويقول أن القمص لم يستطيع أن يطرح قضيته بشكل سليم ولكن هذا لا ينفي أن هناك قضية. ونبشر هؤلاء أن لدي الرد المقنع المنطقي على كل تساؤلاتهم كما اعتقد.
لذلك عزيزي القارئ توقع انك لن تقرأ كتاب على النمط التقليدي الذي يقوم على الكلام المرسل المجمع من اكبر قدر من المصادر فيكون ضررها اكبر من نفعها وتؤدي بالقارئ إلى التشتت وعدم الوصول إلى نتيجة محددة نهائية.
وستلاحظ أيضا عزيزي القارئ أن الفكر المطروح بعيد عن العواطف ومجرد تحليل منطقي عقلاني للوصول إلى الحقيقة وقد يعترض البعض بأن أمور الدين في كثير من الجوانب هى خارجة عن حدود العقل والمنطق والمحسوس ولكن لتوضيح الفكرة لابد من تحديد الفرق ما بين المدرك المحسوس والمنطق العقلي فالمدرك المحسوس هو ما يدخل ضمن إدراك الحواس الخمس كالسمع والبصر والشم والتذوق واللمس وعندها يكون كلام المعترض صحيح ولكن بالنسبة للعقل فقد أعطى الله سبحانه إمكانية الاستدلال بالمنطق لمحاولة الوصول إلى خارج نطاق الأشياء المدركة المحسوسة فكثير من الاختراعات هى نتاج التحليل المنطقي والبناء على ما هو معلوم من المدرك المحسوس ووفقًا للنظريات العقلية التراكمية يكتمل الاختراع على الورق وحتى يتحول إلى حقيقة مدركة محسوسة عندما تتوافر التكنولوجيا التي تحققه. فالطيران بدا بمحاولة (عباس ابن فرناس) تقليد المحسوس من وسائل طيران الطيور وجاء من بعده ليدرس كيف يطير الطائر ودرس تصميم الأجنحة وكل ما يجعل الطائر يطير من وزن وشكل ثم بنى على كل هذه المعلومات النظريات العلمية واستمر تراكم هذه النظريات العقلية حتى جاء (الإخوة رايت) وصنعا نموذج يحقق تلك النظريات ومع نجاح (الإخوة رايت) في الطيران فقد تأكد كل ما سبق من منطق عقلي ونظريات علمية كانت إلى هذه الحين على الورق ومجرد أحلام. وعلى نفس النهج سار من وضع نظرية انقسام الذرة وهى نظرية علمية خارج نطاق المحسوس واستمرت هكذا سنين طوال حتى جاء (اوبنهيمر) وحاول تنفيذ هذه النظرية في أميركا تنفيذًا ماديًا وكان من نتاج نجاحه أن تحول ما هو عقلي نظري إلى حسي مدرك في القنبلة النووية.
إذا إستنكر القارئ المتشدد هذا الفكر نقول له إن معرفة الله هى بالمنطق وليس بالمدرك المحسوس فنحن نعرف وجود الله بالعقل وليس بالنظر أو السمع. بل أن الأنبياء أنفسهم مثال واضح على هذا الفكر وفي القرآن ما يؤكده. فالنبي إبراهيم إستخدم المنطق العقلي للوصول الى معرفة الله {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ 74} وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ {75} فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ {76} فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ {77} فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ {78} إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ {79} وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ {80} وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {81} الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ {82} وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ {83} [1] .
(1) سورة الأنعام.