فهرس الكتاب
فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان، وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه: أن يصوم له شكرًا عقب ذلك.
فأما مقابلة نعمة التوفيق لصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو مِن فعل مَن بدَّل نعمة الله كفرًا، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام، فصيامه عليه مردود، وباب الرحمة في وجهه مسدود، فهو كمن يبني ثم يهدم، ويغزل ثم ينقض؛ قال - تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ} [النحل: 92] .
5 -ومن فوائد صيام ستة أيام من شوال: أن الأعمال التي كان العبد يتقرَّب بها إلى ربِّه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان؛ بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًّا، فالصائم بعد رمضان كالكارِّ بعد الفار، وهو الذي يفر من القتال في سبيل الله، ثم يعود إليه؛ وذلك لأن كثيرًا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه، ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعًا، فالعائدُ إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر، يدلُّ على رغبته في الصيام، وأنه لم يملَّه ولم يستثقله ولا تكَرَّه به، وقيل لبعض السلف: إن قومًا يتعبدون ويجتهدون في رمضان، فإذا انسلخ تركوا الاجتهاد، فقال: بئس القوم لا يعرفون الله حقًّا إلا في شهر رمضان، إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السَّنةَ كلها.
وينبغي لمن كان عليه قضاء من شهر رمضان أن يبدأ بقضائه في شوال، فإنه أسرع لبراءة ذمته، ثم يصوم ستة أيام من شوال؛ لأنه يصير قد صام رمضان، وأتبعه بست من شوال.
وعمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله؛ قال - تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ؛ أي: استمر على عبادة ربك حتى تموت [1] .
(1) انظر:"لطائف المعارف"، لابن رجب، ص 232 - 236.