الموعظة الخامسة
الدعاء سلاح المؤمن
الحمد لله الذي لا إله غيره ربَّ الأرباب ومسبَّب الأسباب واهب العطايا سامع لكل شكوى مجيب الدعاء في البأساء والضراء والصلاة والسلام على سيد العباد صاحب المقام المحمود في يوم المعاد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم التناد أما بعد
فقد قال جل وعلا: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] {غافر:60} ، وقال رسول الله ?: «الدعاء هو العبادة» [1] الدعاء سلاح المؤمنين به يدعون ربهم نداء المستغيثين واستجارات المستجيرين ويزيل همّ المهمومين وينفس الكرب عن المكروبين وقاضي الدَّين عن المدينين وينصر المجاهدين ويُعين المعسرين ويفك أسرى المأسورين فتح أبواب سماواته وأنزل ملائكته حفظه لعباده وينزل جل وعلا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل طالبًا عباده بكشف ما بهم من ضُر ويغفر لهم ذنوبهم ويقبل توبتهم ويجيب دعاءهم ويعطيهم سؤالهم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ?: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» [2] .
الدعاء شفاء للقلوب ومطلب العارفين ومطيَّة الصالحين ونيل السعادة في الدارين فاجعل نفسك رحمك الله من الفائزين من عطايا رب العالمين.
قال عبدالله الأنطاكي رحمه الله: (دواء القلب خمسة أشياء مجالسة الصالحين و قراءة القرآن و إخلاء البطن من الحرام وقيام الليل و التضرع عند الصبح) . وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: (الدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء ويدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه وهو سلاح للمؤمن) . وقال سفيان بن عيينه رحمه الله: (لا يمنعنّ أحد الدعاء ما يعلم في نفسه من تقصير فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) . وقال المناوي رحمه الله: (إذا تمنى أحدكم خيرًا من خير الدارين فلْيكثر الأماني فإنما يسأل ربه الذي رباه وأنعم عليه وأحسن إليه فليعظم الرغبة ويوّسع المسألة؛ فينبغي للسائل الإكثار ولا يختصر ولا يقتصر فإن خزائن الجود سحّاء ليلًا ونهارًا ولا يفني عطاؤه عز وجل) .
فإذا كنت يا رعاك الله من الموفَّقين باغتنام فرص الدعاء فاعلم أن ذلك من سلامة قلبك وجودة رأيك واعلم رحمك الله إنك لن تخسر شيئًا في دعائك ولن ترجع صفر اليدين فقد قال رسول الله ?: «ما من مسلم يدعوا ليس بإثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث إما تعجّل له دعوته وإما يدَّخرها له في يوم الآخرة و إما يدفع عن السوء مثله» قال أحد الصحابة إذًا نكثر يا رسول الله قال رسول الله ?: «الله
(1) رواه ابو داوود والترمذي في صحيحه واللفظ له وقال: (حديث حسن صحيح) ورواه النسائي في السنن الكبرى وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: (صحيح الإسناد) وصححه الألباني.
(2) سبق تخريجه.