فهرس الكتاب
اليوم يدخل أم القرى فاتحا منتصرا ويعلن العفو العام والشامل عن مجرمي الحرب بالأمس ويعفو عنهم عفو الكرام القادرين وكان من حقه أن يعمل فيهم السيف جزاء ما اقترفوا معه وهاهو يترك قسمة الذي كان قد أقسم به إن أظهره الله عليهم ليمثلن بسبعين من أبطالهم كما مثلوا بعمه الحمزة وأصحابه في أحد وقال نصبر إن شاء الله ولا نعاقب وكفر عن يمينه وأعتق رقبة مؤمنة، فأي عفوا هذا وأية رحمة تلك وأي كظم للغيظ هذا الذي لم تعرف له البشرية على طول الزمان وعرضه مثيلا؟ ولكن لاغرابة ولا غرو فهو عفو محمد نبي العفو والرحمة كما هو نبي الملحمة لقد كان هذا العفو في أواخر رمضان في العام الثامن للهجرة ومن آثار أن أسلم يومها ألفان من أهل مكة
وما قتل الأحرار كالعفو عنهمو……ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
ولقد كان رفق رسول الله بأهل مكة خير عتاب لقوم نجاة كما قال القائل
…ترفق أيها المولى عليهم ………فإن الرفق بالجاني عتاب
لقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه عفوا عاما وشاملا في زمن ووقت جعله الله تعالى ميقاتا للعفو وللرحمة فالعشر الأواخر من رمضان هي عشر العتق من النار كما قال صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان (( وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ) )وإذا كانت العشر الأواخر من رمضان هي أيام العتق من النار. وما العتق من النار إلا أعظم العفو من رب العالمين لمن استحق العقاب بالنار بذنب ارتكب ومعاصي قد اقترفت وخطايا قد عملت وأموال قد سلبت ودماء قد سفكت وأعراض قد هتكت ومحارم قد استبيحت ومع كل ذلك فإن رحمة الله التي وسعت كل شيء لم تشأ أن تعاقب مجترحيها وأن تعذب مقترفيها بل إن رحمته تعالى سبقت غضبه فلم يعجل بالعقوبة لمن عصاه لأن رحمته وسعت كل شيء، فجاءت العشر الأواخر من رمضان وقد شرح الله صدور المذنبين للتوبة فشملتهم رحمة الله وأعتقتهم من النار.