شكلت الروح البدوية عقلية العربي منذ (الجاهلية) بما غرست في تكوينه من روح الفروسية بما تنطوي علية من إباء وشعور بالكرامة ونزوع إلى الغزو وإبداء الفخر والتباهي. وقد وصف الإسلام ـــ متمثلا في دولته الأولى المتجددة ــ هذه الخصال في مشروع غزو وفتح العالم القديم، وذلك بعدأن أعاد تأسيسها في القوالب الدينية، وأطرها في قوالب الأيدلوجية الإسلامية المستندة على مصادر شتى، من أهمها القرآن. وقد حفظ القرآن هذه الموجهات ونقلها من المستوى التاريخي المؤقت إلى المستوى اللاتاريخي المستمر. وقد تطور هذا الإرث باتجاهات شتى مع تطور أشكال النظم والدول التي تعاقبت على المنطقة خلال القرون منذ أيام دولة المدينة، ومنذ أيام الراشدين استوعب الجندي العراقي والجندي الشامي التقاليد والتقنيات العسكرية عند الامبراطوريتين الفارسية والرومانية على التوالي؟ وفي فترة هيمنة الإقطاع العالمية، في العالمين االإسلامي والأوروبي خلال العصور الوسطى، برز نظام الفروسية القائم على الإقطاع العثماني، وتطور بتأثير ثقافة هي أقرب إلى ثقافة الرعاة المتحضرين حديثًا في سهول آسيا الوسطى. كذلك الحال في الأندلس الإسلامية، إذ تطور نظام الفروسية فيها تحت ظل الاحتكاك بالتحدي الأوربي الأسباني. وكان من آثار ذلك الاحتكاك تلقيح نظام الفرسان النبلاء في أسبانيا بكثير من القيم الإنسانية التي ترفع الحرب إلى مرتبة الشرف والقيم الرفيعة، وتربط بين إقدام الفارس وجرأته وشدة فتكه، وبين إعجاب النساء ــ ليس في سياق البدوية الرعوية الساذجة ولكن في سياق المجتمع الحضري وفي دائرة مراكزة الصفوية ــ ويمكن أن نرة هذا مثلا مرتبطا بالازدهار الحضاري في فترة التفكك السياسي في المشرق العربي، وبالتحديد في الشام والعراق أيام سيف الدولة، الذي لم يعرف إلا بالشاعر العملاق أبو الطيب المتنبي. والذي كان واحد من أهم المبشرين بقيم الفروسية العربية القحة في ثوبها الحضاري الإسلامي، والأمثلة الكثيرة التي تمكن أن ترد في هذا السياق تدل على جانب مهم مما أسماه بعض الباحثين بـ ( العقل العربي) [4] ، وحاولت بعض التحليلات المنحازة ضد العرب القول بأن اللسان العربي أطول بكثير من السيف العربي، أو بكلمات أخرى أن العربي يقول ما لا يفعل [5] ، غير أن ذلك يجافي حقيقة مهمة هي أن الروح العربية الإسلامية كانت اهم القوى الفاعلة في الحضارة العالمية المرتكزة على الشرق الأوسط منذ القرن السابع الميلادي وحتى القرن السابع عشر، حين أخدت شمس العثمانيين في الأفول، وأخذت القوى الأوربية الصاعدة في الاستيلاء على مقاليد الأمور عسكريًا وسياسيًا وحضاريًا في العالم القديم والجديد معًا . هذه الفاعلية الحضارية كانت كاملة الأركان تقوم على التفوق العسكري والإداري والاقتصادي والإبداعي، تجمع بين قوة التأمل وقوة الفعل والقدرة على التجدد والتكيف المستمر إزاء التحديات والمستجدات . غير أن تلك الحضارة العصر ـــ أوسطية عانت منذ بداية قوتها وحتى تصدعها قبل قرنين أو ثلاثة من نقاط ضعف داخلية عديدة ومزمنة وخطيرة. وقد وجدت فيها مشاكل الاضطهاد والهيمنة العرقية والطبقة وطغيان المجموعات الحاكمة والمفارقات بين القيم العليا للحضارة، وهذه الإشكالات الاجتماعية وجدت ترجمتهما السياسية في شكل اضطرابات كانت تقوى مع التراجع المضطرد للمركزية السياسة والإدارية في نظام الدولة الإسلامية العالمية . وكان ذلك مدخل الشعوب المعنية إلى عهود الانحدار والجمود الحضاري وما ذلك مدخل سياسي وعجز تقني وعسكري قد خلق على حد تعبير المفكرالجزائري مالك بن نبي حالة القابيلة للاستعمار [6] ، فكانت الهزائم العسكرية والاحتلال، أو الوصاية على الأقل، في كل أرجاء العالم العربي، منذ الحملة الفرنسية عند أفول شمس القرن الثامن عشر، وخلال القرن التاسع عشر. واستمرت ذيول ذلك طوال القرن العشرين، رغم النجاحات الوطنية هنا وهناك، والتي كان من ثمارها استقلال الدول القطرية في العالم العربي. وقد نجحت الدول القطرية إلى حد ما في تحقيق قدر من التنمية والتطور التقني، غير أن آليات الهيمنة الاقتصادية والسياسية أفلحت في بسط السيطرة الغربية، بطريقة أو بأخرى على العالم العربي، ووقعت هزائم فادحة في الحروب العربية والإسرائيلية ــ خاصة في 1948و1967. وكذلك خسر جميع العرب في حرب الخليج الثانية التي ظللت آثارها العقد الأخير من القرن الماضي. ويكفي أن من نتائجها مصادرة جانب أساسي من الأرصدة المالية العربية، وتقييد التطور التقني، ووضع أسس جديدة إضافة للانقسام الإقليمي والقطري في أكثر من مكان. وقد تم ذلك باستخدام آليات مستحدثة ومعقدة، تضمنت التغلغل الغربي داخل الكيانات الغربية السياسية المختلفة، واستخدام أسلحة التقنية الإعلامية، والحذق في إرادة لعبة التوازن، وتحريك التناقضات الداخلية في العالم العربي، ذلك بحانب استخدام العمل العسكري والوسائل الدبلوماسية والقانون الدولي دون التورط في احتلال العالم العربي مرة أخرى، كما فعلت الأساليب الاستعمارية البدائية في القرن التاسع عشر.
كان طبيعيا لمسلسلالت الهزيمة والإخفاق أن تظهر على المرآة الثقافية العربية، فكانت مرحلة الغضب والانفعال بجروح الكرامة وردود الأفعال غير الحكيمة والمبارزات الكلامية، تغطي معظم هذا القرن، وإن اختفت حينًا في مصر مثلًا ظهرت أحيانًا في العراق. أما الاستجابة الأكثر تنظيمًا فقد تأثرت أيضًا بالانفعال والرومانسيات، وتأرجحت بين دعوات وحركت راديكالية ثورية، عربية قومية،وماركسية، وإسلامية أصولية، وبين اتجاهات إصلاحية هادئة تحلّقت حول حلم النهضة [7] . ولكن من مداخل شتى [8] . غير أن الواقع كان يثمر دائما هيمنة المحافظين المعتدلين ـــ حتى ولو بدوا ثوريين في بعض الأحيان ــ شريطة انسجام هؤلاء مع صيغ التوازن الدولي [9] . أما إعادة بناء النظم السياسية على أساس الانسجام مع المرامي المبدئية ــ الثقافية بعيدة المدى، وعلى أساس تفعيل العلاقة بين السلطة والقاعدة الشعبية، وتحرير طاقاتها الكامنة، والقيادة الصائبة لحركة التطور قوميًا أو قطريًا. فإن ذلك لم يتم. وأكثر من ذلك أن النخبة المفكرة لم فلح في تطوير تصور واضح ومقبول على نطاق واسع داخلها حول هذا الموضوع. بل إن البلبلة الفكرية ـــ التي هي موجودة أصلا ولكن يؤجج نارها المغامرون السياسيون والفرقاء الأجانب ــ لا زالت تشوّش على هذه النخبة وتمنعها من الاتفاق حتى على المرجعية [10] للحكم على الأفكار:
أهي عقلانية محضة أم دينية؟ أم معادية للدين باسم العلمانية ؟ وأم علمانية أصيلة ؟ أم برغماتية محضة ؟ أم تراثية المرتكز ؟ أم تراثيةالإسلام ؛ أم قبل الإسلامي [11] ؟أم هي عصرية محضة [12] ؟ وإذا كانت كذلك فكيف تفعل مع التراث ؟ وكيف يفسر في كل الأحوال [13] ؟ وهل هو تراث أم شيءآخر ؟؟ والمفقود هنا هو تناغم الإيجابات بتنويعها حول هذه الأسئلة، وأصدارذلك في محيط الحركة الفكرية والسياسية والاجتماعية في في المنطقة العربية . وهذا التناغم المفقود كان يمكن أن يثمر عن طريق خلقه لحالة وعي راسخة وسط القاعدة الصوفيةـ التي ترتكز عليها أنظمة الحكم السياسية ـ محاولات أكثر نجاحا وفاعلية لحل الأزمة السياسية في المنطقة . وذلك عن طريق الأنظمة الصحية بين المفكر المكتمل التكوين، وبين السياسي الذي تضبط حركته اتجاهات الوعي العام الراسخ في الوسط الذي يتحرك فيه.