فهرس الكتاب

الصفحة 1344 من 3028

غير أن الصور هنا باتجاه نهاية القرن العشرين هي انحسارالرغبة العامة إبداع نظم جديد وانتشار التفكير البرغماتي والمحافظ، مقابل انكسار [14] وتراجع بأحلام وهمية . وهو يتمثل بصورة واضحة في سياسات أنظمة ( الوضع الراهن ) في معظم الدول العربية . غير أن الأنظمة الراديكالية الرومانسة لا زالت في حالة من الخوف والتخفي، ولا زال التيار الراديكالي موجودًا، وقد ينفجر بصورة قوية في هذا القرن بأشكال جديدة، قد تستبدل الواجهات اليسارية بواجهات"أصولية"إسلامية [15] ، ولذلك مخاطره [16] كما أن له إيجابيات تحت شروط كثيرة من أهمها توفير شروط العقلانية والاعتماد على التأييد الطوعي للأغلبية السكانية القائمة على تحالف وتواصل الشعبي والصوفي، والواقعية، والتماسك في كيان ( الأمة ) العام، وتحقيق الانسجام بين مكونات ومنطقات الثقافية التاريخية، وضرورات الانطلاق على خطوط التطور العقلي والاجتماعي والتقني والاقتصادي والسياسي دون كبير قيود ؛ وتحقيق الانسجام مع العالم ـــ إن لم يكن في إطار فلسفة السلام فليكن في إطار تجنب دور الضحية بفعل القوة الغاشمة وهو الدور المألوف خلال القرنين الأخيرين للتيارات الراديكالية، التي تنجح في تحقيق دور قيادي لهذا العالم ـــ سواء أكانت دينية أم علمانية المتركز [17] .

إن قضية الهوية ــ الأمة التراث تلحق بما سبق من معالجة . وهي قضايا تدخل في صلب الأزمة السياسية في العالم العربي مع جذورها الثقافية . وليس من قبيل الصدفة أن نجد في كل قطر عربي، في النصف الثاني من هذا القرن، انقسام القوى السياسية بين تيار قومي قطري ــــ وأحيانًا إقليمي جهوي أوقلبي قطري ـ وتيار عروبي وتيار إسلامي وتيار أممي ماركسي. وقد نجد تمثيل هذه الاتجاهات أكبر في المستوى الفكري، مهما تكن صفويته، يظلل التطور السياسي ويؤثر عليه .وكثيرًا ما تصارع الفرقاء السياسيون في أكثر من دولة عربية حول توجه الأمة القطرية، وهل يكون نحو الخارج إلى الأمة العربية ؟ أم باتجاه الانقسام بسياج الكيان القطري الوليد ؟ أم إلى الداخل والتمترس على هذا الكيان؟ وقد شكل هذا الجدل المنعكس عن صراع واقعي، جزءًا من قضية ما عرف بالهوية: من نحن ؟ وما هي أمتنا؟ وماهي طبيعتها وحدودها ؟ أما الجزء الآخر من قضية الهوية، فقد شكله سؤال الجذور، وهو الانتماء في التاريخ . فيقال في السودان مثلا هل يبدأ تاريخنا الحقيقي ببدايات الحضارة النوبية قبل وصول التأثيرالفرعوني إليها أم بالاسلام ؟ وماذا يمكن أن نعتبر كعناصر تراثية من الدرجة الأولى، إهرامات النوبية مثلا ام ترث الخلفاء الراشدين ؟... الخ . ولو أمكن الجمع بين الاثنين فلمن الأولوية ؟ ومن هم أسلافنا ــ ايضًا من الدرجة الأولى ـــ المسلمون الفاتحون عندما اشتبكوا بقيادة عبد الله بن أبي السرح مع دولة النوبة في الشمال في منتصف القرن السابع الميلادي ؟ أم خصومهم من النوبة الذين أرغموا على قبول تسليم 360عبد سوداني سنويًا لهؤلاء المسلمين ثمنًا للسلام معهم [18] ؟... هذا مجرد مثال لنوع الاسئلة التي تكشف علاقة القراءات المختلفة للتاريخ والتراث بتحديد الانتماء الاجتماعي ــ السياسي لهويات، هي في حقيقتها واجهات فكرية أو أيدلوجية لمجموعت متصارعة، تمثل انقسامات في جسم الدولة القطرية العربية . ونفس هذه الاسئلة ــ أو اخرى شبيهة بها ــ يمكن تطبيقها على حالات مثل مورتانيا، العراق، لبنان .. الخ غيرأن سؤال الهوية المرتكزة على الفكر القومي العربي، أو الاسلامي الاصولي، او القطري الانغلاقي، أو الجهوي، أو الطائفي الديني، تؤدي بتبايناتها إلى أشكال صراعية وانقسامية في معظم أرجاء العالم العربي. والتوفيق الحالي بينها؛ أو تجاهل التناقض الصارخ بين اتجاهاتها هو سبيل أنظمة ( الوضع الرهن) الحاكمة في تحقيق قدر كبير من الوحدة القطرية. وهذا الحل يمثل حلا سياسيا، لذلك فهو مؤقت. ولا يمثل حلا ثقافيا يصلح على المدة البعيد في حل إشكالية الانقسام والصراع. وربما كان الحل الثقافي، بمنظور التفاؤل فقط، ما هو من مشاريع القرن الحادي والعشرين، وذلك إذا التقى الفكر الوحدوي العصري والواقع السياسي على أرضية والحدة من التجانس والتكامل في إطار مشروع شامل لإعادة البناء الثقافي وتعديل الأوضاع العلمية للنظم والمؤسسات الوظيفية القائمة عليه.

المحور الثاني: السياسة والثقافة/ نحو الخارج:

يستند الموقف إزاء (الآخر) على رؤية ثقافية، وهي تلون عادة المراقف السياسية. وقد طورت الحضارة الإسالمية تاريخيًا قواعدها وإمكاناتها اقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا على أساس المواجهة مع (الآخر) ، والتمدد على حسابه واستيعابه في إطارها ، وتوظيفها في اتجاهاتها. ومع انتقال مركز الثقل الحضاري إلى الغرب الأوربي ــ الأمريكي أخذ العالم الإسلامي يخضع لتأثير اتجاه معاكس لعملية التوسع والاستيعاب من قبل الحضارة الغربية. وفي البداية عندما نزلت الجحافل الاستعمارية على السواحل الإسلامية، كان تصور المسلمين للجغرافية السياسية والثقافةي لعالم القرن التاسع مشوشًا بالأوهام بحيث يمكن الخلط بين أبي جهل ونابليون، والاعتقاد بأن نابليون يمكن هزيمته بنفس الطريقة التي هزم بها أبو جهل. ولقد لعبت اللغة دورًا هامًا في هذا التمويه، إذا وضعنا الأوربيون في خانة (الكفار) ، وتم اختزال خصائصهم الأخرى داخل هذه الكلمة، وكانت النتيجة مسلسل الهزائم الذي سبق ذكره. ويبدو أن الأمر قد تغير كثيرًا خلال القرن العشرين. وبالرغم من النجاح المظهري للخطاب الواقعي العقلاني الذي يحاول أن يرى الأشياء كما هي في الواقع دون كبير أوهام، تاريخية أو غير تاريخية، فإن هناك استعدادًا كببيرًا لبعث الرؤية العصر/ أو سطية لعالم القرن العشرين وسط كل الشعوب العربية حالما تدق طبول الحرب وتظهر السيوف والخيول، حتى لو استبدلت بالطائرات والمدفعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت