من ناحية أخرى فقد لعب الفكر الإسلامي الدعائي في تصوير الغرب ، كل الغرب بمظهر الشيطان في أذهان كثير من الشباب. وتلعب هذه الصورة دورًا مزدوجًا يتمثل في الاعتقاد بأن الطرف العربي أو أيا كانت تسميته؛ هو صاحب الحق المطلق، وذلك يمنح كل أفعاله صفة الصحة المطلقة. وفي الاعتقاد أيضًا بحتمية تلقائية هزيمة الطرف الآخر، باعتبار حتمية هزيمة الشيطان. وحتى تكتمل صورة الشيطان فقد تم في الذهنية العربية المسلمة رد كل الأعداء إلى أصل واحد هو اليهودي ــ الشرير بحكم تكوينة، والملعون بنص القرآن. ولا تأتي معركة إلا وتذكر (بدر) و (أحد) .. الخ .. حسب الحال من نصر أو هزيمة. وقد أدت النتائج المؤلمة لنظام التفاعل هذا مع العدوان على العالم العربي إلى ردود أفعال متمردة خطيرة، فذكر مثلا في أعقاب الهزيمة الساحقة في يونية 1967في سوريا أن السبب الحقيقي خلف الهزيمة هو التراث الإسلامي، وعلى رأس ذلك القرآن. وظهرت كتابات مثل (نقد القكر الديني) لجلال صادق العظم [19] ، وفي المقابل ظهر سيل من الكتابات المضادة مثل سلسلة (الغزو الفكري) التي أصدرهامحمد جلال كشك، الصحفي المصري. وقد اتجهت هذه الكتابات المضادة لتيار التنويريين المستغربين [20] نحو تكريس أسطورة اليهودي الشيطان، واستحضرت خيالات الحروب الصليبية. وعمومًا فقد غمست الواقع في بحر من الصور والخيالات التاريخية. ولكن ذلك لم يؤد إلى زحف إسلامي مقدس ضد ( الصليبية) ، أو (الصهيونية) ، إذا أن أنظمة ( الواقع الراهن) كانت تتجه بثبات نحو التصالح مع الدول الواقعية، حتى إسرائيل نفسها ما سلفت الإشارة. وقد خرجت (الدولة القطرية) في معركة الأفعال وردود الأفعال هذه أقوى مما كانت في صراعها مع التيارات الوحدوية والأصولية غير أن تيار ( الدولة القطرية) الراسخ كان منقسما على نفسه في العالم العربي فهنال من يريد الاكتقاء بالإطار القطري دون أى اكنراث لأي مستقبل. بينما يحاول آخرون تحقيق انقلاب على واقع النظام الدولي عن طريق إقامة نموذج (الدولة العظمى) قطريا؛ ثم توسيعةإقليميا، كما حاول العراق ذات يوم والاتجاهات البرغماتية المحافظة الحاكمة في معظم العالم العربي لا تقول صراحة في مواجهة القوى التاريخية الراديكالية المعارضة لها أنها تريد أن تجتث أو تلغي الحلم التاريخي بهزيمة أعداء المسلمين التاريخيين، وإقامة دولى الإسلام أو العروبة العظمى على أنقاض إمبراطورياتهم. إنها تقول فقط إن أكثر ما يعنيها هو ما تحت قدميها، وإن سبيلها هو البناءالواقعي [21] ، وهو طريق يعني الحفاظ على واقع التجزئة. وهذا الخط يقوم في الحقيقة على أساس تغلغل أيدلوجية الدولة القوميةـ القطرية وأسسها الفلسفية والعقائدية في النظام الثقافي العربي خلال القرن العشرين. ويبدو أن ما يسمى بالحركات الأصولية الإسلامية، منذ حركة"الأخوان المسلمين"المصرية في عشرينيات القرن العشرين وحتى اليوم، لم تستطع أن تلغي بصورة واضحة أساس هذه الأيدولوحية القومية القطرية. ويمكن القول كخلاصة هنا أن القرن العشرين اختلف عن التاسع عشر في العالم العربي بقدرة القيادات البرغماتية فيه على كبح جماح تيارات التفكير العصر أو سطي التي تؤمن بضرورة وإمكانية الاجتياح العسكري للعالم باستخدام الرايات الدينية ، ولكن دون أن تتمكن من استئصال هذه القكرة الشعبية. وتشهد نهايات القون العشرين تزايد قوة التيارات التي تعمل على الإحاطة بالدولة القطرية وفلسفتها البرغمايتة ـــ مع تفاوت كبير في طبيعة وعي ومرامي هذه التيارات ونجد كذلك أن نهاية القرن العشرين تعطي تناقضًا واضحًا تمثله ثنائية التعايش والرفض للقيم الإنسانية ــ العالمية التي تمثلها اليوم على الصعيدالثقافي منظمة الأمم المتحدة، وفي حقيقتها من صنع الحضارة الغربية.
المحور الثالث: الدين ـــ المعبد ــ الأصولية ــ الصوفية: يمثل الحديث هنا انتقالا من معالجة الجانب السياسي للمسألة الثقافية إلى معالجة جانب آخر لا يمكن فصله في الواقع عن ذلك الجانب السياسي، وهو الدين ــ رغم استقلاله وتميزه ــ إن العناصر الدينية الفاعلة تتأثر بإعادة الصياغة والتوجيه والتلوين، مما تقوم به مؤسسات الدولة بأجهزتها الإعلامية والتربوية، وكذلك بما تقوم به غير الرسمية مثل الأحزاب السياسية وغيرها. وتعبير المعبد هنا يرمز للمؤسسة الكهنوتية في كل الأديان، ومن أشكالها المؤسسات الإسلامية التقليدية المعترف بها رسميًا وشعبيًا كحارس وراعي ومفسرلكل ما يعتبر من صلب الوعي والتفكير والسلوك والممارسات الدينية. وتتكون هذه المؤسسات من عدد لا يمكن تحديده من الهيئات الرسمية وغيرالرسمية، بعضها يمثل مؤسسات الفتوى في كل قطر، وبعضها عبارة عن مساجد ومدارس دينية، وبعضها طرق صوفية ...الخ... وهي هيئات ذات جذور عصرـ أو سطية. وظهرت في العصر الحديث ــ في القرن العشرين ـــ الحركات التنظيمات الصوفية، مثل حركات"الأخوان المسلمين"بأشكالها المختلفة من قطر إلى آخر ، والتي تسمى أحيانًا ( الحركة الحديثة ) . وبالرغم من ا لصراع والانقسام بين التيارات والحركات المختلفة التي تشكل المؤسسة الدينية ، وخضوع بعضها للدولة ، وتمرد البعض الآخر عليها، وسلفية بعضها، وعصرية البعض الآخر؛ إلا أنها جميعًا تستند على قاعدة فكرية ومصلحية مشتركة في تحدي إعدائها على نحو واحد، فهم أهل"الإلحاد والإباحة"باختلاف مسمياتهم.. وقد شهد القرن العشرون تطور هذه المؤسسة باتجاهاتها المختلفة، واستمرار دورها في الحفاظ على النظام الطبقي، أو الإبطاء بالتغير فيه ودورها في تشكيل نظم القيم . وقد ااستطاعت بتنويعها بسط نفوذها في كل من المستوى الشعبي والمستوى الصوفي ، وتمكنت من الحد من تأثير بهذا ( الغزو) بوعي أو دون وعي [22] . وهي تتجه عمومًا ببطء أو بسرعة نسبية نحو إعادة تفسير النصوص الدينية ، وإعادة صياغة القوانين الإسلامية ، وتطوير صياغات فكرية محدثة بخصوص المرأة، وحقوق الإنسان، مجتمع الرفاهية والعدل ، وذلك تحت تأثير قوي من تيار ( الثقافة الإنسانية) التي تستمر في القرن الحادي والعشرين، وستتأثر بالمصير العام الذي ستؤل إأليه أمور الكل الذي اصطلحنا على تسمية ب ( الثقافة الإسلامية) .
المحور الرابع / العدل والتوازن الاجتماعي ( حقوق الإنسان ، المساواة، الديمقراطية، العمل الإنساني ، العدل الاجتماعي الحب والسلام ، الصحة والتغذية.الخ)
يتعلق هذا المحور بناحيتين
القيم وتصويب الممارسة الوقعية . وتعكسه المفردات االمختارة كأمثلة هنا الضغوط الثقافية التي تمارسها الحضارةالغربية الممثلة للعصر على ثقافة الإسلامية باتجاه القرن الحادي والعشرين . قد وقعت كل الدول الإسلامية تقريبًا على مواثيق حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة . واقتضت الحركة الإسلامية للقول بأن الإسلام هو المصدر لحقوق الإنسان ، وهي صيغة نفسية لقبول الفكرة الغربية الشكل على الأقل . وقد تفرغ من ذلك نمو اتجاهات العمل الإنساني تحت لافتات عامة وإسلامية مثل حقوق المرأة ، حقوق الطفل ، حقوق السجين ...الخ . أما موضوع التغذية والصحة فتعكس اشتراكا بين مفهوم حقوق الإنسان ومفهوم دولة الرفاهية ، وهي من فكرة دولة الخدمات التي تحولت فيها العلاقة بين الحاكم والمحكوم من شكل الراعي والرعية إلى شكل ممثل الشعب الحاكم والمواطن ، وذلك منذ الثورة الفرنسية في الغرب [23] .