لقد كانت المقالة الشهيرة"صدام الحضارات"لـ"صموئيل هانتغتون"التي نشرها سنة 1993 م، والتي تحولت فيما بعد إلى كتاب، إشارة واضحة إلى ما يمكن أن تكون عليه الأوضاع في المستقبل، خاصة أن المقالة كثفت من استدعاء الدلائل التي تبرز أن الحضارة الإسلامية هي أول المرشحين للتصادم مع الحضارة الغربية، وأن هذا التصادم يرجع أساسا إلى العامل الديني، والذي - حسب تعبير الكاتب -"يقسم الناس بشكل أكثر حدة وشمولًا". وخاصة - كذلك - أن"هانتغتون"ليس مجرد كاتب عادي، فهو البروفيسور هانتغتون، المقرب من دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي غالبا ما تستند في مشاريعها الاستراتيجية إلى الأطروحات الفكرية لمثل هؤلاء المنظرين. فكان من المفترض - إذن - أن يأخذ قادة الفكر والسياسة هذه الإشارة مأخذ الجد، وأن يتعاملوا معها على أساس أنها استشراف لمعالم الهدف المستقبلي، وتسريب لثوابت الرؤية الغربية اتجاه العالم الإسلامي.
لكن بينما كان الغرب يطرح فكرة حتمية الصدام بين حضارته والحضارة الإسلامية، ويجتهد في بلورة هذه الفكرة إلى رؤية استراتيجية يتحرك من خلالها إلى تحقيق مصالحه في بلادنا، كان مثقفو الأمة يعيشون حالة من الارتباك الفكري، جعلتهم يتعاملون مع الموضوع بروح هاربة من مواجهة الواقع، بحيث اجتهدوا فقط في إسقاط هذه الفكرة وإثبات أنها فرضية متهافتة، لا تعبر إلاّ عن مثالٍ للتفكير الأصولي الشاذ، ولذلك لم يسمحوا لها أن تعكر عليهم أجواء التلذذ بموائد الحوار وأماني السلام.
وازدادت آثار المشكلة سوءً عندما ساهم في هذا التغافل بعض مثقفي التيار الإسلامي، حيث بدأت - في سبيل إبراز الوجه الحضاري للدعوة - عملية"تزييف الوعي"، وهي العملية التي تمت عن طريق التشويش على مجموعة من الثوابت العقدية والمفاهيم المنهجية، والضغط عليها لتتلاءم مع الصورة الوردية للإسلام، فبدأنا نسمع عن"إخواننا النصارى"و"الملة الإبراهيمية لتقارب الأديان الثلاثة"و"خط اللاعنف مطلقا"و"التسامح بلا حدود"و"مذهب غاندي"، وغيرها من المفاهيم الانهزامية التي ساعدت على تكريس حالة الاسترخاء اتجاه العدو، في الوقت الذي كان فيه هذا العدو يستعد لصدام حضاري بالمعنى الكامل للكلمة.
وقد كانت الحرب على العراق - بما صاحبها من التدمير والتنكيل الذي تجاوز موضوع تحرير الكويت - علامة واضحة على طبيعة النية المبيتة، حيث ظهر بجلاء أن الهدف الحقيقي هو استعمار المنطقة، وزرع الوجود الغربي في قلب العالم الإسلامي. ويومها قال العقلاء إنها حرب صليبية جديدة، وإن هذه الخطوة - رغم فظاعتها - ما هي إلاّ إجراء تحضيري يستهدف التمهيد لحرب شاملة.
ثم جاءت الحرب على أفغانستان، وظهر بجلاء - كذلك - أن المحرك الأول للاعتداء هو الحقد النصراني على المسلمين والرغبة في الوصول إلى خيرات بلدانهم، وإلاّ لماذا تُستهدف دولة قائمة بحجة أن هناك بعض"الإرهابيين"في البلاد!! ولماذا بدأ الاعتداء قبل ظهور ولو نصف دليل على مسؤولية"القاعدة"؟ ولماذا هذا التحالف النصراني على التنكيل بالشعب الأفغاني المسلم؟ ثم لماذا تفرض عليه حكومة مرتدة عميلة لأمريكا؟!! كل هذه الأسئلة يجيب عنها القيصر"بوش الصغير"بالواضح:"إنها حرب صليبية شاملة".
نعم لقد استعمل بوش هذه العبارة عند بداية الحملة، وكان بالإمكان أن ترن في آذان المسلمين ليستيقظوا من سباتهم، وليراجعوا حساباتهم، إلاّ أن العكس هو الذي وقع، لقد أوّلها المنافقون، وتغافل عنها الأكثرون، إصرارا منهم على استبعاد فكرة الحرب الدينية وإحسانا للظن بالإدارة الأمريكية"المتحضرة". لكن"بوش"عاد مرة ثانية وأكد أنه يعي ما يقول، حيث جاء في حديثه إلى الجنود الكنديين"وقِفوا إلى جانبنا في هذه الحملة الصليبية الهامة"، حتى لقد قال"روبرت فيسك"في إحدى مقالاته:"يبدو أن الرئيس بوش يعتقد حقيقة أنه يقود حملة صليبية، فقد عاد ليستعمل العبارة قبل أيام رغم أنه حُذر من ذلك".
وها هي الأحداث تؤكد أن أفغانستان وجماعات الجهاد لم تكن إلاّ المحطة الأولى في هذه الحملة، وأن شعار مكافحة"الإرهاب"لم يكن إلاّ عنوانا مغلوطا يتم تحته الاجتهاد في طمس هوية الأمة الإسلامية، وقتل الشرفاء من أبنائها، واستغلال خيراتها، بل والتدخل السافر في كل شؤونها، فيما يبدو أنها محاولة جديدة للعودة إلى الاستعمار المباشر، بعد أن ظهر أن الاستعمار بالوكالة قد بدأ يفقد قدرته على الإمساك بزمام الأمور. وها هي جنود الصليب ترابط اليوم على أبواب جزيرة العرب، وتطوق قلب العالم الإسلامي، وقد أعدت نفسها لتنفيذ المشروع الصهيوني في المنطقة، في تناسق كامل بين المصالح السياسية والخلفية الدينية، تماما كما هي الحقيقة الثابتة للحروب الصليبية على امتداد التاريخ.
أولًا: الحملة المعاصرة والامتداد التاريخي
يعتبر التاريخ أهمَ العوامل المؤثرة في تشكيل الوعي عند الإنسان، لأنه يعرّفه بالجذور العميقة للتفاعلات الحضارية، ويفتح أمامه آفاق الاستفادة من التجارب البشرية التي سبقته، خاصة عندما تكون عملية قراءة الأحداث خاضعة لمنهج علمي دقيق، بحيث يعمل على تمحيص الأخبار، ويحرص على استخراج السنن القدرية التي تحكم حركة الحياة، مما يُكسب المطلع على التاريخ خبرات عديدة تساعده على امتلاك رؤية جيدة للواقع، وتقترب به كثيرا نحو التقدير الصحيح للموقف.
وقد حرص القرآن الكريم على ترسيخ الاهتمام بدراسة التاريخ، وأمر مرارا بالنظر في أحداثه لاستفادة العبر والدروس التي يحتاجها المسلمون في مسيرة الحياة. إضافة إلى أنه عرض صفحات طويلة من التاريخ البشري، خاصة فيما يتعلق بالتفاعل بين حضارة الحق و"حضارة"الباطل، وقرر في هذا الموضوع خطوطا عريضة تصلح أن تكون بمثابة السجل الذي يمكّن المسلمين من معرفة العدو، والقواعد العلمية التي تساعد على استشفاف الدلالات الخفية لمواقفه، لكي لا نبقى ضحيةَ الإيحاءاتِ التي تحملها المواقف التكتيكية والتي غالبا ما تتحول تبعا للمصالح المتحركة.
ولكن - وللأسف - قليل هم الذين يهتمون بالتاريخ من المسلمين المعاصرين، وحتى من يفعل فإنه يعرف عن تاريخ العالم الغربي أكثر مما يعرف عن تاريخ أمته الإسلامية، مما أتاح للغرب فرصة تزييف التاريخ الإسلامي، حيث اجتهد في قلب الحقائق والتحكم في تفسير الأحداث، مستغلا في ذلك ضعف الذاكرة عند المتأخرين من المسلمين.
1 -لمحة تاريخية لاستعادة الذاكرة
لقد كانت الانتصارات التي حققتها الفتوحات الإسلامية - خاصة في بلاد الشام وشمال إفريقية - سببا أساسيا في تغلغل الحقد الدفين لدى الدول النصرانية اتجاه المسلمين، إذ رأى هؤلاء في هذه الفتوحات تقليصا لنفوذهم السياسي الذي كان يستعبد الشعوب، وتضررا لمصالحهم الاقتصادية التي كانوا يجنونها من الدول المستعمَرة، فناصبوا المسلمين العداء والحرب من أجل ذلك. وزاد من هذا العداء دخول الكنيسة على الخط، لأن مصالحها كانت مرتبطة بمصالح الأمراء الإقطاعيين، ولأن الدعوة الإسلامية ساعدت على تحرير العقل الأوروبي من الخرافات الكهنوتية، مما أدى إلى تراجع حاد في سلطان الكنيسة على الإنسان المسيحي، فردت هي بشن حملة فكرية سعت من خلالها إلى تشويه صورة الإسلام، ورسخت ذلك ببث الأفكار العدائية وجعْلها من صلب العقائد المسيحية، الأمر الذي ضاعف من مستوى كراهية النصارى للمسلمين، وجعل منهم مادة أولية للحروب الصليبية التي شُنت على العالم الإسلامي.