سرير بروكُست في الأساطير اليونانية القديمة، كان قاطع الطريق (بروكست) يقبض على المسافرين و يمددهم على سريره. . فإذا كان الشخص أقصر طولًا من السرير، شدَّ بروكُست أوصاله و مددها حتى يصبح بطول السرير! ! و إذا كان - تعيس الحظ- أطول من السرير، قطع بروكُست من قدميه!
و عند المثقفين الغربيين صار مصطلح سرير (بروكُست) يستخدم ليعبر عن مد ـ أو تضييق ـ مفهوم ما، بطريق الاعتساف.
و سرير بروكُست هذا طار إلى بلاد المسلمين مع رياح الهزيمة و الغزو الفكري الذي دوَّخ عقول الكثيرين من مدعي الثقافة و التفكير في البلاد المسلمة، و كم من المرات مُدّت عليه مفهومات الإسلام الثابتة، أو قطعت أوصالها لتواكب مفاهيم العصر الحديث التي تصادم الوحي و تقوم على تجاهل مفهوم الإله و الدين و الغيب، لقد كان المنهزمون أمام تيار التغريب المادي في بلاد المسلمين صنفين مختلفين في الملامح و السمات، متفقين في المنتهى و المآل. . صنف لبس لبوس الغرب بكامل زينته، و صار ينادي جهارًا بالإلحاد، و يرى في التمسك بمفاهيم الشرع الحنيف تخلفًا و رجعية و ضياعًا، وصنف آخر استحى من أن يصرح بالرفض، و لكنه صنع لكل"قاذورات"الحضارة الغربية أسرَّة (بروكُست) و جعل يمددها و يقطِّع من أوصال الشريعة و الدين حتى تتلاءم مع المقاسات الغربية المستوردة.
و عندما قفزت إلى الوجود نظرية (داروِن) المعروفة (بالنشوء و الارتقاء) أو (النشوء و التطور) ونفت الخلق المستقل للإنسان، وزعمت أن القرد والإنسان تطورا عن أصل مشترك! ! . . ظهر في بلاد المسلمين من يقول عن قصة خلق (الإنسان في القرآن) : أن (الماء و الطين حدث بينهما تفاعل نتجت عنه الخلية الحيَّة وأن آدم ليس شخصًا بعينه، بل هو رمز للجنس البشري) ، وأمام سطوة التيار المادي الذي لا يعبأ بالغيبيات، ادعى بعضهم أن (الطير الأبابيل) في القرآن الكريم لم تكن إلا جراثيم الجدري التي أرسلها الله عزَّ و جل إلى جيش أبرهة فأهلكته. . و زعم آخر أن الريح المسخَّرة لسليمان تجري رخاءً حيث أصاب، لم تكن إلا طائرات، و أن سرعة نقل الأخبارعن طريق الطيور كالهدهد، لم تكن إلا أجهزة لاسلكي! وزعم ثالث أن خبر المسيح الدجال و نزول عيسى عليه السلام ليس صحيحًا- رغم تواتره بأكثر من سبعين طريقًا في السنة ـ بيد أن سرير بروكست لم يكن عمله قاصرًا على هذه التأويلات المتعسفة لنصوص القرآن و السنة، وهذا الإنكار السافر. بل امتد إلى كثير من الأحكام و الشرائع الثابتة، فمن باب مجاراة الدعاوى الفارغة عن حقوق الإنسان و خلافه، قام هؤلاء المنهزمون بتقطيع أوصال الشريعة، فبتروا عن جسمها حد (الردَّة) ،و بتروا حد (السرقة) ، و رجم (الزاني المحصن) ، و قالوا إن عقوبة شارب الخمر تعزير و ليست بحد.و في الجانب الآخر عطلوا الجهاد و حصروه في الدفاع عن النفس و الأرض فقط! ! . . و نسوا أن للإسلام - بوصفه الدين الخاتم- حقه الأصيل في تحطيم كل الطواغيت التي تستعبد الناس و تحول بينهم و بين الدخول في دين الله عز و جل، و عندما جاءت إلى بلاد المسلمين موضة الديمقراطية، أسرع هؤلاء يركضون بسريرهم ليمددوا عليه (الشورى) ؛ و يقولوا هذه هي ديمقراطية الإسلام! ! رغم ما بين النظامين من اختلاف جوهري أقل ما فيه؛ أن الشورى لا تكون إلا حيث لا يوجد نص لله تعالى و لا لرسوله صلى الله عليه وسلم - أي في المسائل الاجتهادية- بينما الديمقراطية تقوم على إعطاء حق التشريع للشعب. . و لا تلقي بالًا لنصوص الشريعة إلا ما قالت به و أقرته صناديق الاقتراع، و نتائج التصويت! ! وظهرت الاشتراكية، فركضوا إلى كل نص في الإسلام يحمل معنىً للتكافل الاجتماعي، وسارعوا إلى أبي ذر الغفاري و مددوا سيرته على سريرهم، و قالوا هذا هو اليسار الإسلامي!
و على سرير بروكست للفن الحديث، جعلوا داؤود عليه السلام موسيقيًا، و القرآن الكريم كتاب أدب، و سينما و مسرح! ! . . إلى آخر ذلك من هلوسات العقول السقيمة.
أيها السادة هذا هو سرير بروكست، وهؤلاء هم حاملوه، فانتبهوا.
الحرب الصليبية المعاصرة
دراسة موضوعية متكاملة تصدر كل أربعة أشهر عن مجلة الأنصار
العدد الثاني / ذو القعدة 1423 هـ / يناير - 2003 م
الحرب الصليبية المعاصرة
الحقيقة المفضوحة و الدور المطلوب
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن التصادم بين حضارة الحق و"حضارة"الباطل حقيقة قدرية لا داعي لإنكارها، ومعطى قائم على امتداد التاريخ، سواء كان هذا التصادم بسبب اختلاف المنطلقات الحضارية أو كان بسبب تضارب المصالح أو كان بهما معًا. وأي محاولة تَطرح إمكانية التعايش الدائم في ظل هذا الاختلاف تبدو ضربا من خيال الحالمين، أو لنقل: إنها - في حقيقة الأمر - ممارسة هروبية لن يستفيد منها إلاّ العدو. خاصة عندما تأتي في مثل الأوضاع الراهنة، والتي تتسم بانتشار النفوذ الغربي، وتنامي أطماعه في مقدرات العالم الإسلامي.
لقد ظل البعض يدعو إلى"الانسجام"الحضاري (في مقابل الصراع الحضاري) طيلة العقود الماضية، واجتهد في هذا الاتجاه إلى الحد الذي جعله يتهم المخالفين له بالتطرف الفكري، فما الذي - يا ترى - جنته الأمة من هذه الدعوة؟ هل تحقق السلام؟ هل عادت فلسطين..؟ باختصار: لا، لم يتحقق شيء، بل - على العكس - لقد ساعدت هذه الدعوة على تمييع القضية في عقل ووجدان المسلمين، مما رسخ نفسية الاسترخاء بينهم، في حين أن العدو كان يتحرك بجد في خط الصراع، ويستجمع كل ما أتيح له من المقدمات الضرورية لذلك.. وها هي النتيجة أمام أعين الجميع، إنها الحرب الصليبية تشن على الأمة من جديد، في محاولة واضحة لتكرار تجربة الماضي، وكأن التاريخ - كما قيل - يعيد نفسه مرة أخرى.
ويمكننا من خلال التتبع الموجز لمسيرة هذه الحروب، أن نضع أيدينا على الخلفية الدينية الكامنة وراءها، وأنها كانت دائما تستند إلى تحالف وطيد بين رجال السياسة ورجال الكنيسة، سواء أعلن الصليبيون عن ذلك صراحة أم حاولوا إخفاءه رعاية للمصالح. ولعل هذا ما ظهر بوضوح في الحملة المعاصرة، والتي أعلن"بوش"بصراحة أنها حرب صليبية شاملة.
وقد كان من المطلوب - شرعا وعقلا - أن يقف المسلمون على الدلالات التاريخية التي تحملها هذه الكلمة، أولًا ليستنبطوا منها نوع وطبيعة الحرب معلنة عليهم، وثانيًا ليلتقطوا من خلال إيحاءاتها طبيعة الدور المطلوب في هذه المرحلة. لكن الإرث السلبي لعقود القعود، وعمليات التدليس التي مارسها البعض على العقل الإسلامي كلها عوامل ساعدت على إفراز حالة من التفاعلات الهزيلة لا ترتقي إلى مستوى الحدث الذي يهدد الأمة في مقوماتها الحضارية ووجودها الحقيقي.
وفي هذا الكتاب"الحرب الصليبية المعاصرة: الحقيقة المفضوحة والدور المطلوب"حاول الباحثون أن يقدموا رؤية متكاملة للحدث الذي يواجه الأمة الإسلامية في المرحلة الراهنة، آملين من الله تعالى أن نكون قد وقفنا إلى المساعدة على توعية الأمة بحقيقة الواقع القائم، ورسمنا لها معالم عامة على الطريق المؤدي إلى غد أفضل.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
( التحرير
الحملة الصليبية المعاصرة
رؤية إسلامية
سيف الدين الأنصاري