عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم تعرف منهم وتنكر فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال تعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) الحديث فيه حض واضح على وحدة الصف، وقد حاول أعداء الإسلام في العصر الحديث النيل من وحدة صف المسلمين، مما سهل مهمتهم وأدى إلى ضياع الأمة المسلمة وأفقدها سماتها الأساسية. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (أن الله يرضى لكم ثلاث: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) هذه الأحاديث كما الآيات تحتم على المسلمين أن يتوحدوا، وتزهدهم في الفرقة والشتات، وبالطبع النتيجة ستكون محمودة، كما أن نتيجة الفرقة والشتات ستكون مذمومة، كما هو الحال في هذا العصر، والتوحد والجماعة ووحدة الصف هي الجدار الذي تتكسر عليه كل ضربات وهجمات الأعداء الفكرية والعسكرية، وقد كان عندما كانت الأمة متوحدة في عصرها المشرق الزاهي، كانت تتقدم معتمدة على الوحدة الفكرية والوحدة العضوية. لقد أفاد الأمةَ آنذاك اعتصامُها بالكتاب والسنة. وكان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دور بارز في تدعيم الوحدة الإسلامية وذلك بالأقوال والأفعال. بلغ أبا ذر رضي الله عنه وهو بمنى أن عثمان رضي الله عنه صلى أربعًا، أي لم يقصر الرباعية فاشتد ذلك عليه وقال قولا شديدا، وقال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين، وصليت مع أبي بكر وعمر ثم قام أبو ذر رضي الله عنه فصلى أربعة، فقيل له عبت على أمير المؤمنين شيئا ثم تصنعه قال الخلاف أشد. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فقال: (إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وليس بمقبول منه توبة حتى يسد ثلمته ـ نقصه ـ التي ثلم وليس بفاعل ثم يعود فيكون في من عزه..
أقوال وأفعال الصحابة التي تدل على وحدة الصف يضيق المقال عن ذكرها ويمكن الرجوع لها في مظانها فإنها محفوظة من الضياع تقف شاهدا على أهمية وحدة الصف المسلم، إن العالم الآن كله يصف صفوفه خلف أفكاره التي ربما كان منها الباطل في نظرنا، ولذلك حري بالمسلمين أن يوحدوا صفهم على ما عندهم من حق وصواب. المعروف أن الله سبحانه تعالى يحب للمسلمين أن يكونوا أمة واحدة وأن تتوحد غاياتهم واتجاهاتهم.
السؤال ماذا دهى الصف الإسلامي حتى يتداعى العلماء لمؤتمر تحت عنوان (العمل الإسلامي بين الاتفاق والافتراق) ؟ لا شك أنّ ثمة شرخ أصاب الجسم الإسلامي والأمة الإسلامية وهو واضح للعيان. والصف المسلم ـ ذلك الجسم الذي كان متماسكًا تحت قيادة وخليفة واحد حتى عام 1924م؛ عام سقوط دولة الخلافة الإسلامية ـ أصبح الآن يتكون من (58) وحدة سياسية أو يزيد.كل وحدة سياسية تصدر عن رأي يختلف عن الأخرى أصبحت ملامح الفرقة والشتات واضحة للعيان. وبالطبع كانت هناك أسباب داخلية وخارجية أدت لهذه الحالة، وأحسب أنّ المؤتمر سيقلتها بحثًا وشرحًا. وحدة الصف المسلم أصابها الوهن والضعف والضمور منذ أن تكالب وتآمر العالم الغربي الاستعماري على الخلافة الإسلامية. ونعلم أن التكالب على الإسلام كان قديمًا ولكن في القديم اصطدم بجسم إسلامي معافى ومعتصم بالكتاب والسنة.. ولكن في العصر الحديث فقد مناعته مما جعل الضربات الصليبية بقيادة التنصير والاستشراق والاستعمار تفت في عضد ووحدة الصف الإسلامي. وساعدت في ذلك الحركات الشعوبية والقومية الإقليمية والدعوات اليهودية والعلمانية، وكل الدعوات الهدامة التي استهدفت وحدة الصف المسلم. والحمد لله الآن تلف العالمَ الإسلامي صحوةٌ تدعو إلى الأوبة ووحدة الصف المسلم وليس أدل على ذلك من التداعي لهذا المؤتمر. وفي كل أنحاء العالم الإسلامي هناك شعور بحاجة الأمة الإسلامية لوحدة الصف. والمتوقع إن أعداء الإسلام متربصون بمثل هذه الأعمال.
لقد ظلت الجماعات الإسلامية تحت مختلف الأسماء تدعو إلى وحدة الصف الإسلامي على المستوى العلمي الأكاديمي أو على مستوى العمل الشعبي العام. وليس أدل على ذلك من هذا المؤتمر العلمي الأكاديمي الذي جعل همه الاتفاق والافتراق في العمل الإسلامي، وأحسب أن هذا المؤتمر تظاهرة علمية هادئة تصل إلى تشخيص الداء ووصف الدواء. وسوف يخرج بصيغة من شأنها أن تجعل الذين يعملون للإسلام صفًا واحدًا ويدًا واحدة على من سواهم، ونسبة لأن هذا الإسلام والدين الإسلامي دين التوحد والتوحيد والوحدة؛ فلا غرو أن يتوحد الصف المسلم. وإن جاز لي أن أتصور أن المؤتمر سوف يخرج بتوصيات. أحسب أن المؤتمرين تتصدر توصياتهم الكلمات الشهيرة، نعمل سويًا فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، كما يمكن أن يتواطأ المؤتمر على ميثاق عمل مشترك يهدف لرفعة الإسلام ووحدة الصف ورفع الظلم عن المسلمين وغيرهم في كل زمان ومكان.. واحسب أن المؤتمر سوف يوصي بأن يكون التعامل مع الغرب الصليبي تعاملًا علميًا، وأن يكون بيننا علاقة جوار وحوار بعيدًا، عن المزايدات السياسية، وأن يقود هذا الحوار العلماء لا الساسة والدهماء. ولأن المؤتمر مؤتمر عمل وليس مؤتمر تنظير؛ كان لابد أن تصدر منه توصية تدعو دول العالم الإسلامي أن تمكن للدين الإسلامي، وأن تكف يدها عن العلماء والدعاة حتى يتمكنوا من الدعوة إلى وحدة الصف المسلم. وبالطبع لن ينسى المؤتمرون الفتن في العالم الإسلامي كفتنة العراق و فتنة دار فور في السودان، وأحسب أن المؤتمر سوف يوصي بأن تنبثق منه لجنة لقيادة الصلح بين المسلمين في دار فور لحقن دماء المسلمين هناك ، ووضع حد لقتال المسلمين فيما بينهم وهو أمر تحرمه الشريعة الإسلامية. والذي لا شك فيه أن هذا المؤتمر بادرة ومبادرة خير ستكون له بركات كثيرة على العمل الإسلامي. ولذلك في رأيي أن المشاركة في هذا المؤتمر بحضور جلساته أو المتابعة واجبة. وشكر الله للذين رتبوا وأعدوا لهذا المؤتمر، جامعة الخرطوم إدارة مطلوبات الجامعة قسم الثقافة الإسلامية. ذلك القسم الذي استشعر أن مهمته ليست قاصرة على قاعات الدرس والمحاضرات، وإنما مناط به تزكية المجتمع والاهتمام بشأن المسلمين وأهم شأن الآن للمسلمين هو الدعوة إلى توحيد الصف المسلم ووحدة الأمة الإسلامية التي هي الآن في رأيي فرض الوقت..
نختم مقالنا هذا وندعو القارئ أن يطالع لمزيد من المعلومات كتاب وحدة المسلمين لمؤلفه عبد المجيد البيانوني وكذلك ختمه بالآية التي جعلها المؤتمر شعارًا له قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولاتفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) . سورة آل عمران الآية (103) .. وعلى الله قصد السبيل.
سرير بروكُست
أحمد إسماعيل*