فهرس الكتاب

الصفحة 1350 من 3028

وصلتني دعوة كريمة للمشاركة في المؤتمر العلمي"العمل الإسلامي بين الاتفاق والافتراق". تفحصت محاور المؤتمر فوجدت كلمة واحدة في كل محاور هذا المؤتمر كلمة"وحدة"أذكر منها: وحدة الصف, توحيد الأمة, جيل الوحدة, وحدة الأمة، كأنما كلمة وحدة هي المفتاح لهذا المؤتمر وقد أفلح القائمون على المؤتمر أن جعلوا كلمة الوحدة همهم الأول، لأن كل وقت له فرض وفرض الوقت الآن وحدة الأمة الإسلامية ووحدة الصف الإسلامي، ذلك لأن الوحدة الإسلامية عقدها قد انفرط في زمن أحوج ما يكون المسلمون فيه للوحدة لكي تكون السياج الواقي للإسلام والمسلمين من ضربات الأعداء، والأعداء إنما يأكلون من الغنم القاصية كما جاء في الحديث، وبما أن الوحدة الإسلامية هي فرض الوقت كان على كل مسلم السعي لإيجاد هذه الوحدة الإسلامية وأن يلبي أي دعاء أو دعوة لهذه الوحدة وأن يدعم أي مؤتمر يدعو إلى وحدة الصف المسلم وأن يكثِّر سواد المسلمين، ولا شك أن وحدة الأمة الإسلامية ووحدة الصف المسلم سوف تدفع عن الإسلام والمسلمين غوائل الدهر وصروف الزمان وتصد عن الإسلام والمسلمين هجمات الأعداء المتمثلة في الغزو الفكري والغزو الصليبي المسلح، الذي تمدد في غيبة الوحدة الإسلامية والرأي العام المسلم ووحدة الصف التي جعلها المؤتمر همه؛ يفرضها الدين الإسلامي ويدعو لها بأدلة نقلية من القرآن الكريم والسنة المطهرة، ونلحظ لها أدلة من أقوال الصحابة رضي الله عنهم، وسوف أتناول بإذن الله هذه الأدلة بين يدي هذا المؤتمر الذي جعل همه كما في ديباجة دعوته وحدة الصف الإسلامي.

قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) والآية واضح معناها؛ فيها أمر ونهي وتذكير, الأمر بأن نعتصم بحبل الله والنهي عن التفرق والاختلاف. وأن الاعتصام نعمة من نعم الله إذ أن الناس قبله كانوا أعداء متفرقين ممزقين ثم أصبحوا إخوانا وأنقذهم الله. وفي الآية إشارة إلى أن ترك حبل الله سيؤدي بالأمة إلى الفرقة والخصام وتفرق جماعتها، يقول الإمام الفخر الرازي عن هذه الآية:"اعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تنزلق رجله فإذا أمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف. قال ابن عباس:"المراد بالحبل هذا العهد المذكور في قوله تعالى (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) وقوله (إلا بحبل من الله وحبل من الناس) أي: بعهد وإنما سمي العهد حبلا لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف..

روى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (هذا القرآن حبل الله) ذكر الرازي أن الله نهى عن المعادات والمخاصمة، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها، نهى الله عن كل شيء يوجب الفرقة ويزيل المحبة. وأكد ذلك بذكر حال اليهود والنصارى قال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) .

والدليل الثاني من القرآن قال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يعملون) . والرسول صلى الله عليه وسلم تبرأ من هؤلاء لا سيما الذين تفرقوا شيعا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون.

يقول الإمام الرازي في تفسير هذه الآية:"اعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة. وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع, ذلك لأن البدع تفرق والسنة مدعاة للتجمع والوحدة".

وقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) يقول ابن كثير:"أي من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق آخر وذلك عمدا منه, بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له، وقوله (ويتبع غير سبيل المؤمنين) : هذا ملازم للصفة الأولى لكن قد تكون المخالفة لنفس الشارع وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية, فيما يعلم تحقيقا فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك ومن العلماء من ادعى تواتر معناها, ذكره الإمام ابن كثير في الجزء الأول."

قال تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك) ،"أو من تحت أرجلكم"قال صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك) ،"أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذه أهون أو أيسر) لأن الخصلتين اللتين قبلها هي من عذاب الاستئصال. أرأيت كيف يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم من التحزب والتشيع!. وغير هذه الآيات كثيرة تحذر من الفرقة وتدعو إلى الوحدة ووحدة الصف والتي أحسب أن المؤتمر سيعمل جادا لها بالأدلة من القرآن الكريم والسنة.

وفي هذا المقال نورد بعض الأحاديث التي تحث المسلمين على الوحدة والتوحد وسوف أورد في هذا المقال نماذج فقط تدعو إلى لزوم جماعة المسلمين.

روى العرباض بن سارية رضي الله قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال:(أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) الحديث عبارة عن وصية جامعة وأنه أصل من أصول الدين. وفي الحديث إخبار بأن الاختلاف يقع في أمته من بعده .. وأن الذي ينجي من هذا الخلاف التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وفيه تحذير من البدعة، لأن البدعة كما هو معروف تفرق والسنة مدعاة للتوحد والتماسك ومعروف أن لزوم جماعة المسلمين طوق نجاة عند الفتن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت