هكذا يقول أصحاب الورع"المتأمرك"، وهي محاولة لخلط الأوراق الفكرية على المسلمين، تهدف إلى خلق حالة من الارتباك في التعامل مع الموقف، بحيث تؤدي إلى تجميد العدد الأكبر من الطاقات الإسلامية، ومن تم يتسنى لأمريكا الوصول إلى أهدافها بأقل الخسائر الممكنة. ولذلك أريد أن أركز - قبل الدخول في التفاصيل - على مسألة معينة، وهي أنه سواء كانت هذه الحرب حربا دينية صليبية أم لا فإن الواجب الشرعي يفرض على المسلمين أن يجاهدوا الاعتداء وأن يردوا على عدوان الكافرين حتى ولو كانوا من عالم الجن والشياطين، قال تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين} [البقرة: 191] .
ولكن لا بأس بتوضيح المشهد الراهن ليكون المسلمون أكثر وعيا بالواقع القائم، لعل ذلك يساعد على تحريك العناصر الصادقة في هذه الأمة، ويدفع بها إلى أخذ موقعها في الصراع قبل فوات الأوان.
1 -ما معنى حرب دينية؟
عندما تكون محاربتنا للعدو الكافر مستندة في دوافعها إلى الدين الإسلامي فإنها بالنسبة إلينا حرب دينية، وهي التي نسميها في عرفنا الشرعي الجهاد، ولا يهمنا في تحديد هذا التوصيف لطبيعة حربنا للعدو هل العدو هو الآخر يخوض ضدنا حربا دينية أم لا، فذاك موضوع ثان، المهم في الحكم على طبيعة حربنا نحن هو طبيعة الدوافع ومدى ارتباطها بالدين الإسلامي.
فالحرب مع التتار مثلا كانت بالنسبة إلينا حربا دينية، رغم أن التتار همج لم يكونوا يحاربون من أجل دين معين، أي أنها من جهتهم لم تكن حربا دينية، لأنها كانت فقط من أجل النهب والسلب، ولكن من جهتنا نحن كانت حربا دينية، لأننا كنا نستند إلى ديننا الإسلامي في وجوب الدفاع عن النفس ووجوب الرد على العدوان.
وهكذا هي الحرب في الإسلام، دائما يجب أن تكون دينية، لأنها دائما يجب أن تستند إلى الدوافع التي حددها الدين. فإذا كان العدو هو الآخر مستندا في حربه لنا إلى دين معين فإن الحرب في هذه الحالة أصبحت دينية من الجهتين، وغالبا ما تكون هذه الحالة هي صورة الحروب التي قد نخوضها مع أصحاب الأديان السماوية المحرّفة (اليهود والنصارى) ، أو مع أصحاب العقائد الأرضية الكفرية (الوثنية والشيوعية والعلمانية مثلا) .
لكن إلى أي حد يمكن اعتبار الحرب التي تشنها أمريكا على المسلمين هي حرب دينية؟
للجواب عن هذا السؤال نحتاج - أولًا - إلى استحضار معنى الدين، وأنه قد يكون أرضيا كما يكون سماويا، وأنه أكبر من أن يختزل في الجانب العقدي وبعض الشعائر التعبدية، وإنما المعنى العام للدين هو أنه عبارة عن نظام للحياة يستند إلى تصور معين (1) ، فإن كان هذا النظام يرجع إلى الوحي الإلهي - وبالضبط القرآن الكريم والسنة المحمدية - فهو الدين الحق، وإن كان لا يرجع إلى الوحي الإلهي فهو الدين الباطل، سواء كان سماويا محرفا أو كان أرضيًا من وضع البشر للبشر.
وقد أعلنت أمريكا أنها تستند في حربها على الأمة الإسلامية إلى قيمها الأمريكية، بدءًا من العلمانية في السياسة وليس انتهاء بالإباحية في الاجتماع، وأنها تريد فرض هذه القيم على المسلمين تحت مسمى القيم الديموقراطية، لتصبح بديلا عن القيم الإسلامية. أي أن المسألة تتجاوز الحرب السياسية بمعنى الصراع على المصالح الخالية من الحضور الديني، فهناك قيم أمريكية يراد لها أن تفرض علينا في مقابل قيمنا الإسلامية، وهناك حرب إفرنجية - بكل ما تحمله من الإرث العقدي المتصهين والحاضر العلماني - يشنها العالم الغربي على الأمة الإسلامية، فالتحالف النصراني إذن يشن علينا حربا دينية بالمعنى الواضح للكلمة، مهما حاول البعض دس رأسه في الرمال للهروب من هذه الحقيقة.
وبما أن طلائع الأمة الإسلامية (الجماعات المجاهدة) تقابل هذه الحرب بجهاد إسلامي يجتهد في الدفع والمواجهة فإن الحرب تصبح دينية من الجهتين، أو على حد تعبير المستشرق"برنارد لويس"النصراني ذو الاتجاه الصهيوني، في إحدى مقالاته:"إن ما يحدث لا يمكن أن يكون غير وأقل من صدام حضارات"!!.
أما عندما تقول أمريكا وحلفاؤها أننا لسنا ضد الإسلام فإنهم يقصدون إسلاما أمريكيا، أي إسلاما هجينا يقبل الخضوع لأمريكا، بل ويعطيها الشرعية لأن تبسط سلطانها على العالم الإسلامي، إسلاما يجعل من المسلم جنديا أمريكيا مخلصا لوطنه مجتهدا في قتل المسلمين، إسلاما يقبل العلمانية في السياسة، ويقبل الإباحية في الاجتماع، ويقبل اللبرالية في الاقتصاد،.. يقبل كل شيء، يعني في الأخير إسلاما لأمريكا وليس إسلاما لله. أما الإسلام الذي يدعو إلى التوحيد، ويعمل على إزالة دولة إسرائيل، ويعمل على إخراج المستوطنات العسكرية من جزيرة العرب،.. أما هذا الإسلام فإن العالم الغربي يؤمن ويصرح بأنه معه في صراع حضاري.
2 -ثم هي حرب صليبية
قد يكون من نافلة القول التأكيد على أنها حملة صليبية، خاصة بعد أن صرح قائدها بوش بذلك، ولكن لا بأس أن نشير إلى أننا لا نحتاج لكي نعتبر حربا ما أنها صليبية أن يصرح أصحابها بمكنونهم النفسي، لأننا لسنا أغبياء إلى هذه الدرجة، إذ يكفي أن ننظر إلى المشاركين فيها هل هم نصارى أم لا؟ ثم هل تغذي العقيدة النصرانية هذه الحرب أم لا؟ فإذا اجتمع هذان الأمران فهي حرب صليبية، ويجب على المسلمين أن يتعاملوا معها على هذا الأساس، مهما اجتهد أصحابها في إخفاء الهوية بمساحيق التجميل وأدوات التنكر.
ومن هنا فإن الحرب التي يشنها اليوم العالم الغربي بقيادة أمريكا على العالم الإسلامي هي - بالواضح - حرب صليبية، بمعنى أنها حرب جديدة للنصارى على المسلمين، تُستحضر فيها - بشكل أساسي - الخلفية الدينية للمواجهة، لأنه كما يقول"مايكل كورتب وزوجته" (وهما أستاذان في جامعة بول الأمريكية) في كتاب بعنوان"الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية":"توجد الجذور الدينية للمواقف الأمريكية اتجاه الحرب والسلام في الكتب المُقدسة المسيحية واليهودية،... حيث أن المسيحية كانت لها السيادة في تشكيل المواقف في الولايات المتحدة اتجاه الحرب". ثم يُعدد المؤلفان مواقف الأمريكان فيقولان: تنقسم الحروب إلى ثلاثة أنواع هي:
(1) - انظر"الدعوة في ظلال القرآن"أحمد فايز.
-الحرب المُقدسة:"..كان منهج الحرب المقدسة أو الحرب الصليبية هو أحد المظاهر المهمة للمواقف في الولايات المتحدة اتجاه الحروب، ومصطلح الحرب المقدسة يعني حربًا يشنها الصالحون نيابة عن الرب ضد الكفار والمهرطقين سياسيًا أو دينيًا".
-الحرب العادلة:"..إن النموذج السائد للحرب والذي شكل مواقف الناس كان بطريقة أو بأخرى صورة من صور الحرب العادلة، ما دام إعلان الحرب يكون من جانب السلطة الصحيحة وما دامت أسبابها عادلة فيجوز للأفراد المشاركة فيها بنية حسنة، ويجوز إجبارهم على ذلك إذا استدعى الأمر... وعلى هذا النحو أصبحت الحرب أقرب ما تكون للحرب المقدسة".
-الحرب السَّلامية:"أي التي ترفض الحرب من وجهة نظر دينية باعتبارها أمرًا يتنافى مع تعاليم المسيح عليه السلام.. لكن عنوان الاتجاهات السّلامية هذه تقف لتؤيد الحرب وتنخرط في أعمال اجتماعية لمساعدة المُتضررين منها حين تقع" (1) .