إذن رغم أن الدين يتراجع باستمرار في معظم المواقف الحياتية للعالم الغربي إلاّ أنه في حالة الحرب يكون أول الحاضرين، بحيث أنه هو الذي يتولى عملية تفسير الحالة وعملية تحديد الموقف المبدئي فيها، لأن الحرب هي لحظة الأزمة الكبرى في العقل الغربي، وخاصة عند المجتمع الأمريكي، لأنه مجتمع طارئ لم يتأسس إلاّ بفعل الحروب الأوروبية على سكان البلد الأصليين، ولذلك عندما تقع الحرب فإن الوجدان الأمريكي يستدعي - وبسرعة - المعاني الدينية لتكون هي الأساس الأول في تفسير الحرب.
وليست هناك حرب خاضتها أمريكا لم يكن الدين حاضرا فيها بقوة، حتى الحرب العالمية الأولى، بل حتى حرب الإبادة التي طالت السكان الأصليين للبلاد، فعلاقة الدين بالحرب في العقل والوجدان الأمريكي علاقة وطيدة ومتداخلة، وما هذا التناغم الأمريكي- الصهيوني في حرب الإبادة التي تشن على الشعب الفلسطيني إلاّ صورة من تجليات هذه العلاقة، خاصة عندما نعلم أن الدين في العقلية الأمريكية هو خليط مفبرك من العهد القديم (التوراة) والعهد الجديد (الإنجيل) ، أي تحالف قذر بين اليهودية الصهيونية والمسيحية المتصهينة. بل لقد فُسرت حرب الخليج الثانية على أنها خطوة نحو الإعداد لحرب"هرمجدون"، وهي الحرب التي لها شأن كبير في العقل والوجدان النصراني.
وعندما قال"بوش"أنها حرب صليبية لم يكن مُخطئًا ولا ناسيا ولا نائما، وإنما كان يُعبر عن الضمير الأمريكي في أوقات الحروب، وعن حقيقة الوجدان الغربي اتجاه العالم الإسلامي. وحتى العبارات الأخرى التي أطلقها في حملته مثل"مواجهة الشر"و"الطيبين والأشرار"و"العادلة المطلقة"، هي في الواقع تعبيرات دينية ذات طابع صليبي، يُقصد بها المسيحية والمسيحيون في مواجهة الإسلام والمسلمين.
أما المحاولات التي استهدفت الترويج لمقولة أن الإسلام يختلف عن الإرهاب فلم تكن إلاّ لذر الرماد في العيون، ولم تكن إلاّ خدعة سياسية قصد بها إرباك الموقف الإسلامي، أولًا لتحييد البعض - مؤقتا - من ساحة المواجهة، وثانيًا لإفساح المجال أمام الأنظمة العميلة في العالم الإسلامي لتساهم في الحرب على الإسلام والمسلمين تحت دعوى الحرب على الإرهاب. لأن العالم الغربي النصراني يعلم أن الإسلام هو الوحيد الذي يُمثل بالفعل تحديًا للحضارة الغربية اليهودية - المسيحية، وأن المسلمين المجاهدين هم العائق الأكبر - أو ربما الوحيد - في طريق بسط هذا الغرب سيطرته على العالم الإسلامي.
ثالثًا: النصارى والحملة: مشهد التداخل
من المعلوم عندنا أن اليهود أشد عداوة للمسلمين من النصارى، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة:82] ، ولعل هذا هو السبب في الحساسية العالية التي تجدها في إرثنا الثقافي اتجاههم، فنحن نبغض اليهود أكثر من بغضنا للنصارى، لكن إذا تأملنا التاريخ فإننا نجد أن جل حروبنا في الماضي كانت مع النصارى ولم تكن مع اليهود!! فاليهود لم يدخلوا حربا مع المسلمين طيلة أربعة عشر قرنًا إلا مرة في زمن النبوة، ثم عند الاحتلال الأخير لفلسطين، بخلاف النصارى فإن الحرب معهم لم تكن تهدأ إلاّ قليلا!!
(1) -"الدين والسياسة في الولايات المتحدة الأمريكية"نقلا عن محمد كمال منصور في مقال معنون بنفس العنوان.
ومن المهم جدا أن نقف أمام هذا المعطى التاريخي الهام، لا لنبحث عن الأسباب الكامنة وراء قلة الحروب مع اليهود، فهي معروفة، ولكن لنتأمل في الدلالات التي تحملها كثرة الحروب مع النصارى، هذه الحروب التي لازالت مستمرة إلى الآن، والتي لا تعد دولة اليهود في فلسطين إلاّ واحدة من آثارها، لعل هذا التأمل يساعدنا على استعادة التوازن إلى نظرتنا العقدية اتجاه النصارى، وأنهم في الحقيقة ليسوا"إخواننا النصارى"كما يحلو للبعض أن يصفهم، وإنما هم أعداؤنا النصارى، الكفار الذين كانوا دائما أعداء، والذين كثيرا ما كانوا كأنهم الذراع التنفيذي للمشروع اليهودي، لأنهم ينطلقون من تحالف عقدي يضع الإسلام هو العدو الأول في حياته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة:51] .
يجب أن لا تغطي كراهيتنا لليهود الدورَ الخبيث لأوليائهم النصارى، كلهم أعداء، وإذا كان اليهود هم الأشد عداوة للذين آمنوا، فإن النصارى هم الأكثر قتالا للذين أسلموا، إضافة إلى أن التطور العقدي للمسيحية لم يترك فرقا يذكر بين النصارى واليهود، فجلهم صار من أتباع الحركة الصهيونية، إلاّ ما استثناه الدليل.
1 -الحملات الصليبية والخلفية النصرانية.
لقد تبين لنا من خلال اللّمحة التاريخية أن الحملات الصليبية مرتبطة بشكل مباشر بالنصارى، فهم مادتها الأولية.. القادة نصارى، والجنود نصارى، والمجتمعات النصرانية مستعدة دائما لتزويد الجيوش الصليبية بالعناصر المطلوبة. إذن هناك تداخل كبير بين النصارى والحملات الصليبية، ومن الصعوبة بمكان التفريق بينهما، إلاّ في حالات استثنائية ضيقة لا تعبر عن حقيقة الواقع من جهة، ولا تصلح لتأسيس الموقف المبدئي اتجاه هؤلاء النصارى من جهة أخرى.
وحقيقة هذا التداخل معروفة غير خافية، وهذا التاريخ أمام الجميع، لقد كانوا دائما أعداء، وفي أكثر الأوقات محاربين، ويمكن مشاهدة هذه الحقيقة في الماضي البعيد كما يمكن مشاهدتها في الماضي القريب، فهي موجودة في الحملات على العالم الإسلامي في التاريخ القديم، وفي الحملات الاستعمارية في التاريخ الحديث، وفي الحملات على البلقان وعلى العراق وعلى أفغانستان في التاريخ المعاصر.. إلخ. ويكفي أن نستحضر أن دولة اليهود التي تعد أم المشاكل الإسلامية في الوقت الراهن هي - في حقيقة الأمر - إنتاج إنجليزي، توطد في الماضي بفعل التواطؤ الغربي، ولازال مستمرا بفعل الدعم الأمريكي اللامحدود. بل ويمكن ملاحظة مشهد التداخل بين النصرانية والصليبية في المواقف الرسمية كما يمكن ملاحظتها على المستوى الشعبي، فأثناء حرب الخليج الثانية ظهرت شعارات في بريطانيا تُكتب على جدران الأحياء التي يسكنها المسلمون، تقول: (سنقتل طِفلَيْن مسلمَيْن، مقابل كل جنديٍ بريطانيٍ يُقتَل في العراق) !! أما ما يعانيه المسلمون في بلاد الغرب هذه الأيام من الاضطهاد والتمييز والتضييق فلا يحتاج إلى تعليق.
وعموما العالم الغربي كلُّه مسكون بفكرة الحروب الصليبية، وهي عميقة في الجذور النفسية والفكرية للشخصية الغربية، وتكفي الإشارة إلى أنه لم توجد دولة مسيحية واحدة اعترضت على العدوان الأمريكي على أفغانستان، حتى العالم الشرقي الأرثوذكسي والذي تقوده روسيا وقف هو الآخر في صف أمريكا، لأن العدو هذه المرة هو"الإرهاب"الإسلامي الذي يريد التحرر من ربقة الاحتلال النصراني.