إن العقل الغربي المعاصر ما هو إلاّ امتداد للعقل الغربي في القرون الوسطى، وكما كان رجال الكنيسة يعملون على ترغيب الناس في الحرب من خلال وعدهم بأن احتلال القدس يساوي الذهاب إلى الجنة, فإن رجال الكنيسة"الغربية"يعملون اليوم على الترغيب في محاربة العالم الإسلامي لنصرة القيم الأمريكية، ولقتال الإرهابيين الذين يهددون"إله الحرية"ويقفون في وجه عولمة القيم الغربية، ولذلك فليبارك الرب الحرب الصليبية على كل المسلمين، لنبدأ بالمجاهدين، فـ"ليس الجهاد إلا"صاعقًا"لقنبلةٍ هيدروجينيةٍ من نوعٍ جديد، اسمها: الإسلام) (1) !.."
وللتوضيح، فإن الخلفية النصرانية للحروب الصليبية لا تعني أن يكون هؤلاء النصارى متدينون بالمعنى العملي، كلا، فهم غالبا ما يكونون من أبعد الناس عن الارتباط بالتعاليم المسيحية، فلا هم مسيحيون و"لا هم يحزنون"، وإنما هم مجرد نصارى حاقدين على المسلمين وطامعين في خيراتهم، ولا بأس أن يكون بعضهم متدين بالمعنى الاعتقادي، أي يحمل في رأسه وقلبه مجموعة من الأفكار المشبعة بالروح التلمودية، والتي تدعو إلى إبادة كل ما هو إسلامي وإلى التعجيل بإقامة دولة إسرائيل الكبرى لأنها مفتاح الخروج الثاني للمسيح عليه السلام!!
(1) - مجلة"دير شبيغل"الألمانية-العدد الثامن لعام 1991 م- الصفحات 142- 149.
فعقدة الحروب الصليبية إذن هي أساس المفاهيم التي ينظر من خلالها الغرب إلى العالم الإسلامي، وإذا وجد بعض النصارى الطيبين والعقلاء فهذا لا ينفي القاعدة العامة، لأنهم استثناء من الأصل، وغالبا ما يكونون أبعدَ الناس عن مواقع التأثير. ومن الخطأ الكبير أن نروج لهذه الحالات الاستثنائية على أنها الوجه الحقيقي للعالم الغربي.
2 -الحملة المعاصرة والمسيحية المتصهينة
باستثناء بعض الأفراد القلائل يمكن أن نجزم أن العالم الغربي لم يعرف قط المسيحية على حقيقتها، وإنما عرف صورة محرفة من صنع الكنيسة لا صلة لها بالأصل. وباعتراف مؤرخي الغرب ومفكريه فإن اليهودي"بولس"كان قد أدخل على العقيدة المسيحية تعديلات جوهرية صرفتها كليا عن حقيقتها الخالصة.
إذن لقد بدأ الاختراق اليهودي للمسيحية منذ زمن طويل، وهو السبب الأول في كل الانحرافات العقدية الموجودة عند النصارى. لكن الجديد في عالم الاختراقات اليهودية للمسيحية كان في القرن السادس عشر ميلادي، حين ظهر المذهب البروتستانتي الذي يؤمن بكل النبوءات التوراتية، ويسعى باجتهاد إلى تحقيق كل ما يعتقد أنه من المقدمات الضرورية لتحقق تلك النبوءات، وأهمها:
إقامة دولة إسرائيل المنصوص عليها في التوراة (من النيل إلى الفرات) وتجميع يهود العالم فيها.
وقوع معركة كبرى بين قوى الخير (النصارى واليهود) وقوى الشر (المسلمين) تسمى (هرمجدون) .
هدم أو تدمير المسجد الأقصى ليتسنى بناء الهيكل اليهودي مكانه.
وقد كانت إقامة دولة إسرائيل - على يد النصارى الإنجليز - واحدة على الطريق إلى"هرمجدون". بل يبدو واضحا من خلال التناغم اليهودي النصراني أن العالم الغربي سائر بجد نحو تحقيق كل هذه الأحلام اليهودية، فأمريكا توفر كل شيء لإسرائيل مهما كان الثمن، حتى لقد قال بعض الأمريكيين:"لقد حيرني أمر الصهاينة المسيحيين منذ الثمانينات. إنهم يضعون عبادة إسرائيل فوق تعاليم المسيح".
ومن هنا أصبح الصراع الإسلامي النصراني أكثر حدة من الماضي، لأن الصليبية اليوم صارت تجمع أكثر من رمز أيديولوجي في مواجهة الإسلام. فهي هذه المرة تنطلق من وحدة الإرث المسيحي - اليهودي، لتشكل تحالفا قذرا يرى أن العدو الأول هو كل ما له علاقة بالإسلام والحركات الإسلامية. وبذلك صار الدين (بالمعنى الاعتقادي) يلعب دورا مركزيا في صياغة سياسة العالم الغربي اتجاه العالم الإسلامي، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، لأنها بؤرة الصراع.
إنها حرب صليبية جديدة يتلاقى فيها مزيج من اليهودية الصهيونية مع المسيحية المستولدة من صلب اليهودية الغربية. ومن تم صار أهم ما يميز هذا التحالف الصهيوني هو وحدة المصير ووحدة الهدف، إضافة إلى التقاء المصالح السياسية والاقتصادية، حتى لقد قال"حاييم"رئيس دولة اليهود الأسبق:"إنّ الأصولية الإسلامية هي أكبر خطرٍ يواجه العالَم، وإنّ إسرائيل تحمي قِيَم الغرب من الصحوة الإسلامية"!!
رابعًا: الحملة الصليبية والعناوين المغلوطة
لقد كان الغرب الصليبيّ - ولازال - يعتبر أنّ الإسلام هو مصدر الخطر الأكبر، لأنه الدين الذي يستطيع أن يشكل تهديدا حقيقيا للحضارة الغربية المفلسة، والزاد الذي يمكّن العالم الإسلامي من الوقوف في وجه مخططات الغرب الاستعمارية، ولذلك ينظر العالم الغربي إلى الصحوة الإسلامية على أنها أكبر خطرٍ يهدّده في المرحلة الراهنة. لأنه يعلم أن هذه الصحوة إذا ما تم توجيهها بشكلٍ إيجابيٍ فستؤدي إلى استعادة المسلمين لدورهم الحضاري في العالم، خاصة أن الحضارة الغربية آيلة إلى الزوال بفعل تراكم عوامل الفساد الخلقي والقيمي، وهذا ما عبر عنه أحد المسؤولين الكبار في الخارجية الفرنسية بقوله:"إنّ العالَم الإسلاميّ عملاق مقيّد لم يكتشف نفسه اكتشافًا تامًا، فإن تحرر من قيود جهله وعجزه، فإنه سيشكّل خطرًا داهمًا يُنهي الحضارة الغربية، ويُنهي وظيفتها في قيادة العالَم) (1) ."
فكل المواقف والإجراءات العدوانية السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، التي يتّخذها الغرب الصليبي اتجاه العالَم الإسلاميّ تحركها - بالأساس - هذه النظرة التي تحمل في عمقها الإحساس بالخطر من هذا العملاق، خاصة بعد أن ظهرت عليه بوادر استعادة العافية بفعل محاولات الرجوع إلى الهوية الإسلامية، وبفعل تنامي الوعي بالدور الخبيث الذي تلعبه الدول الغربية في تكريس حالة العجز والتبعية.
لكن الغرب الصليبي كان - ولازال - يجتهد في التستر على حروبه العدوانية بعناوين مغلوطة، يقصد بها إرباك الآخر من جهة، وإضفاء الشرعية على نفسه من جهة أخرى، وقد كان أهمها هذه المرة:
1 -محاربة الإرهاب الدولي
(1) - انظر جند الله ص 22.
لقد أدى الإحساس المتزايد بـ"التهديد"الإسلامي للمصالح الغربية إلى جعْل الحركات الإسلامية على رأس قائمة الأعداء، وخاصة تلك التي تنتمي إلى ما بات يعرف بـ"السلفية الجهادية"، لأن الغرب وجد في الجماعات الممثلة لهذا التوجه حصانة عقدية ومنهجية تصعّب عليه وعلى أوليائه عملية الاحتواء، كما أن هذه الجماعات كانت قد أثبتت أنها الأكثر تعبيرا عن آمال الأمة والأكثر قدرة على التجاوب مع متطلبات المرحلة.
ولم تكن غزوة الثلاثاء إلاّ بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، وأبرزت الحرب الصليبية إلى السطح، وإلاّ فإن الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني وعملية القتل البطيء (الحصار) لغيره من أبناء الأمة الإسلامية كانت قائمة ولم تكن بحاجة إلى 11 سبتمبر، بل لم تكن تلك الغزوة إلاّ ردا طبيعيا على هذا العدوان. فإذا كان الرد بالمثل يسمى إرهابًا فإن أمريكا هي المسؤولة عن تأسيس الإرهاب والإرهاب المضاد.