عموما لا نريد أن ندخل في الجدل السفسطائي، فأمريكا وحلفاؤها النصارى هم أحرص الناس على عدم تحديد مفهوم دقيق للإرهاب، لأن هذا التحديد سيظهر أن الغرب النصراني هو الإرهابي الكبير عبر تاريخ البشرية. ويكفي أنّ أمريكا تعتبر الجماعات المجاهدة للمحتل الأجنبي - مثل حماس في فلسطين وطالبان في أفغانستان - جماعات إرهابية، وهو ما يعني على أن تعريف الإرهاب عند الغرب هو كل ما يفزعه، وأن الإنسان الإرهابي هو كل مسلم يمكن أن يتسبب في إفزاع إنسان صليبي.
لقد أصبحت"الحرب على الإرهاب"مقولة ممجوجة، خاصة بعدما تجاوزت الحملة المعاصرة الحرب مع مجاهدي القاعدة، وامتدت إلى الاعتداء على دولة طالبان الإسلامية، في هجمة مورست فيها كل أنواع الإرهاب الصليبي على الأمة الإسلامية هناك، بل لقد تجاوزت كل ما له علاقة بالجهاد لتصل إلى كل ما هو إسلامي، سواء كأشخاص ومنظمات أو كدين وثقافة، في محاولة واضحة لفرض القيم الأمريكية والهيمنة الغربية على المسلمين وعلى العالم الإسلامي.
فـ"الإرهاب"في العقل الغربي ليس إلا كلمة السر التي تفتح ملف كل ما هو إسلامي، لأن هناك إرثا ثقافيا مركوزا في الداخل الغربي هو الذي يفك رموز هذه الكلمة المشفرة، أي أن الإدراك الغربي يرى من منظور ثقافي (ديني) أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي كان - ولازال - يشكل له مصدر قلق وفزع، ومن تم فهو المعنى المتبادر لكلمة الإرهاب. وقد كان الإنتاج الفكري والإعلامي أقل تَحفظًا حين دعا - بوضوح - إلى وضع حد للوهم الذي يفرق بين الإسلام كدين وحضارة وبين الإرهاب.
ومن منظور التحليل النفسي فإن التصريحات التي أطلقها"بوش، وتشيني، وبلير"وغيرهم من تأكيد التفرقة بين الإسلام والإرهاب ما هي إلاّ جزء من حيل الدفاع لإخفاء الحقيقة المضمرة في عقولهم.. وهي أن المقصود بالحرب هو الإسلام، وأن"الحرب على الإرهاب"ليست إلاّ عنوانا مغلوطا يتم تحته الاجتهاد في طمس هوية الأمة، وقتل طلائعها المجاهدة، وشعار يراد به التسويق للحملة الصليبية في العالم، أولًا لإرباك الموقف الإسلامي في التعامل مع الوضع، وثانيًا لتوفير الغطاء"الشرعي"لحشد الأنظمة ضمن حملة التحالف العدواني على هوية الأمة وعلى الشرفاء من أبنائها.
2 -قصة الأسلحة العراقية
هذا هو العنوان الثاني للحملة المعاصرة، والذي يتم تحته حشد إمبراطورية عسكرية صليبية في المنطقة العربية، أولًا لتطوق قلب العالم الإسلامي، وثانيًا لتحضّر لغزو مكشوف للعراق وربما لكامل بلاد الشام والجزيرة العربية.
ولا نريد أن نخوض في الجواب عن السؤال الأول في الموضوع وهو: لماذا لا يجوز للعراق أن يمتلك أسلحة الدمار الشامل؟ ثم لماذا تحرم هذه الأسلحة على دولة عربية في حين أنها مباحة للدول الأخرى، وبالضبط لإسرائيل العدو التاريخي المزروع في قلب المنطقة العربية؟
طبعا من السخافة محاولة إقناعنا بشرعية هذه المعايير المزدوجة لأننا أمة تفكر بعقول الأحرار وليس بعقول العبيد، لكن الأكثر سخافة هو محاولة"شرعنة"الغزو الصليبي للعراق، حيث تم استصدار قرار دولي (يعني صليبي) يخول لبوش أن يقول:"إذا رفض الرئيس العراقي السماح بدخول المفتشين غير المشروط إلى كل موقع وكل وثيقة وكل شخص، فإن هذا سيكون إشارة واضحة إلى عدم الالتزام". وعدم الالتزام يعني مبرر الهجمة على العراق لقتل المسلمين والسطو على خيرات بلدانهم حسب القرار الصليبي 1441.
خامسًا: معالم على طريق المواجهة
بعد هذا العرض السريع لحقيقة الحملة الصليبية المعاصرة نطرح السؤال التالي: ما العمل؟
نعم ما العمل؟ لأن الوضع لا يحتاج إلى الاستغراق في الرصد السلبي للحدث، نحن الآن أمام حالة طوارئ حقيقية، تتطلب تفاعلا عمليا يتسم بكامل الجدية والمسؤولية، فالمسلمون يواجهون حرب إبادة على امتداد بقاع العالم، وهويتنا الإسلامية تخضع لضربات صليبية تستهدف الإجهاز على كل مفردات المنظومة القيميّة للأمة.
ما العمل؟ لأننا مطالبون بواجبات شرعية تعتبر هي التجسيد العملي لمفهوم التدين.. نحن مطالبون بالدفاع عن الديار والقيم الإسلامية التي يستهدفها الغرب النصراني في حملته المعاصرة، نحن مطالبون بالرد على العدوان الصليبي على أمتنا في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، نحن مطالبون بنصرة المجاهدين لأن هذه النصرة هي دليل الولاء الإيماني الذي يجمعنا بهم.. باختصار نحن مطالبون بالمواجهة، فهي أخص الواجبات الشرعية للمرحلة الراهنة.
لكن حتى لا تكون هذه المواجهة مجرد تحرك عاطفي تطغى عليه الارتجالية في التخطيط والتنفيذ.. حتى لا يقع هذا يجب أن نجتهد في ضبطها وفق مشروع متكامل يستجمع كل ما هو متاح من شروط الفعالية والتأثير، والتي أرى أهمية أن تكون تحت ثلاثة معالم أساسية.
1 -التعاون بين فصائل الحركة الإسلامية
لم تكن الحملات الصليبية الماضية تفرق بين هذا مسلم مجاهد وهذا مسلم قاعد، بل لم تكن ترحم لا العلماء ولا حتى الزهاد المنعزلين، الكل بالنسبة للصليبين سواء إلاّ ما اقتضاه الاستثناء الضيق، ومعنى هذا الاستثناء هو التنازل عن المبادئ الإسلامية، والذي غالبا ما يصل إلى حد الارتداد عن الدين، قال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] (1) .
والحملة الصليبية المعاصرة مثلها مثل أخواتها السابقات، لا ولن تفرق بين هذا خط الدعوة والتربية وهذا خط الدعوة والجهاد، كلاهما بالنسبة إليها شيء واحد، وأقل"التهم"الثابتة في حق الأول أنه هو المسؤول عن بقاء وامتداد التدين في المجتمعات الإسلامية، وهذه - في نظر الصليبيين - مشاركة عملية في تهيئ الأجواء المناسبة لترعرع"الإرهاب"!! كما أن الحملة الصليبية المعاصرة لن تفرق بين هذا آرائي"معتدل"وهذا سلفي"متشدد"، كلاهما بالنسبة إليها شيء واحد، أو على حد تعبير"التايمز"البريطانية:"لا يوجد فرق بين معتدلين ومتشدّدين، فكلّهم مسلمون" (2) . وبالتالي كلهم مستهدفون، ومن غُضّ عنه الطرفُ في هذا الشوط فلينتظر دوره في الشوط الثاني، فإنما تأجل الاهتمام به لأجل التفرغ لخط الدفاع الأول (الجماعات المجاهدة) .
يجب أن يكون الجميع واعيا بأن الحملة المعاصرة تهدف إلى الإجهاز على كل ما هو إسلامي.. فهي تهدف إلى تجفيف منابع التدين، وإلى سحق هوية الأمة، وإلى المزيد من الإفساد الاجتماعي، بل إلى إعادة الاستعمار المباشر للعالم الإسلامي. فهي حرب شاملة، لم تسلم منها لا مدارس العلوم الشرعية، ولا حتى الجمعيات الخيرية، فضلا عن غيرها.
ولذلك فإن الحركة الإسلامية بمختلف تعبيراتها الفكرية والحركية تعد معنية بهذه الحرب، بل إنها القضية المعاصرة التي يجب أن توضع على رأس اهتماماتها، فالوضع القائم شكل لجميع الفصائل تحديات كبيرة وعلى مستويات متعددة، مما يدعو كافة الجماعات الإسلامية إلى وقفة صادقة لتشخيص جدي للواقع الذي تحياه وللخط الذي تتحرك من خلاله، ولتنظر في مدى مناسبة هذا الواقع وهذا الخط للمعطيات القائمة ولطبيعة الأهداف التي تتطلع إليها الأمة. لأن أكبر مظاهر القصور الذي يمكن أن يصيب الحركة الإسلامية هو انصرافها عن واجبات المرحلة، وانشغالها عنها بقضايا جزئية أو هامشية لا هي تمثل جوهر الصراع القائم ولا حتى تصب في أحد قنواته.