فهرس الكتاب
وهذا ما يقودنا - باعتبار معطيات المرحلة - إلى ضرورة التعاون بين فصائل الحركة الإسلامية على مواجهة الحملة الصليبية المعاصرة، لأنه لا يمكن تحقيق الفعالية المطلوبة إلاّ به، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2] ، وإذا كان البعض لازال"متورعا"في جهاد الأنظمة الطاغوتية، فإن جهاد الكافر الأصلي الصليبي لا يختلف فيه اثنان ولا تتناطح حوله عنزتان، بل حتى أعراف القانون الدولي تسمح بمجاهدته لأنه في موقع الاعتداء ونحن في موقع الدفاع، إذن فلتكن هذه هي نقطة الالتقاء التي يتعاون فيها الجميع.
ولست هنا بصدد التنظير الحركي لصيغة هذا التعاون، ولا للمجالات التي يمكن أن يقع فيها، ولا لطبيعة الأدوار التي يمكن أن يقوم بها كل فريق، ولا للإجراءات الاحتياطية المطلوبة في مثل هذا النوع من التفاعل.. لست بصدد هذا، فذاك موضوع آخر، أرى أن يترك لقيادة العمل الإسلامي في كل بلد، فهي أعلم بمعطياتها الذاتية والموضوعية. المهم عندي هنا هو أن نطرح موضوع التعاون حول نقطة الالتقاء هذه (دفع الصائل الصليبي) طرحا جديا، بحيث يصير حاضرا بقوة في البرامج الحركية للجميع، لأن هذا هو الواجب الشرعي في الوضع الراهن، وأنا شخصيا أعتبره المحك العملي لاختبار مدى التفعيل الصادق لشعار"نتعاون فيما اتفقنا عليه" (3) .
(1) - انظر"ولا يزالون يقاتلونكم"للكاتب.
(2) - في عددها الصادر بتاريخ 16/6/1992م
(3) - أول من أطلق هذه القاعدة الحركية هو الأستاذ حسن البنا رحمه الله، ولها شطر ثان عليه بعض التحفظ.
وإذا كنا لا نستطيع - في الوقت الراهن - أن نصل بهذا التعاون إلى مستوى الوحدة التنظيمية، فعلى الأقل الاجتهاد في تفعيل دور التنسيق، فقد ملّت القواعد المخلصة والجماهير العريضة من هذا التفكك الذي أصاب الجسم الإسلامي، وأصبح السؤال الصحيح الآن هو: ما هو حكم الله في حقنا، هل هو القعود مع القاعدين أم الجهاد مع المجاهدين؟ هذا هو سؤال المرحلة، بعيدا عن البكاء على الأطلال فإنه لا يغير الواقع، وبعيدا عن أدبيات التنويم المغناطيسي فإنه أسلوب قديم، فقد تغير الوضع بعد 11 سبتمبر، وأصبحت المواجهة كأنها مفروضة على الجميع.
2 -التكامل والتركيز في المشروع الجهادي
المشروع الجهادي - ولله الحمد - قائم، والجماعات المجاهدة موجودة على امتداد العالم الإسلامي. ومن فضل الله على أكثرها أنها تتميز بوحدة منهجية ساعدت على تشكيل قاعدة فكرية ينطلق منها الجميع، فرغم تباعد الديار وصعوبة التواصل فإن خط الطائفة المنصورة (خط الدعوة والجهاد) يعيش حالة من الانسجام والتقارب جعلت البعض يسمي جميع جماعات الحركة السنية المجاهدة"قاعدة".
ولكن حتى نستفيد أكثر من هذه الوحدة الفكرية في مشروعنا الجهادي نحتاج إلى تعميق التقارب في الرؤية الحركية، ليصبح العمل"نور على نور". وأرى لهذا الهدف ضرورة أمرين اثنين:
أ - التكامل: وأعني بالتكامل في المشروع الجهادي توزيع الأدوار بين الجماعة العالمية (قاعدة الجهاد) والجماعات"القطرية"، فلكل واحدة دورها الذي لا غنى للآخر عنه."القاعدة"تجعل اهتمامها الأول هو العدو الخارجي، فتتصدى للعدو الصليبي الذي يستهدف الأمة في هويتها ومقدراتها، ويساعد على توطيد الحكم الطاغوتي للأنظمة العميلة في بلاد الإسلام. أما الجماعات"القُطرية" (1) (طالبان مثلا) فتجعل اهتمامها الأول هو العدو الداخلي، لأن مشروع إقامة الدولة الإسلامية يحتاج إلى حسابات تفصيلية تراعى فيها المعطيات الجزئية لكل قطر على حدة، إضافة إلى أنه لابد في التصدي للعدو الصليبي من ملاحظة التعاون القائم بينه وبين الأنظمة العميلة له في بلاد المسلمين.
ب - التركيز: وأعني بالتركيز عدم تشتيت الجهود في جبهات متعددة في آن واحد، وهو ما يتطلب التحفظ الكبير في فتح معارك جديدة. بحيث يكون الاهتمام الأول منصبا على إنجاح المشاريع القائمة، دون أن يعني ذلك نوعا من الانحسار في الدائرة المغلقة، فالأمور مترابطة، وقيادات العمل الإسلامي مخولة بتقدير الموقف!!
3 -تفعيل دور الأمة الإسلامية
لأن الأمة هي خزان العناصر المجاهدة، وقد كانت دائما قادرة على تزويد الطليعة باحتياجاتها في ساحة الجهاد، وعلى سبيل المثال يبرز اليوم الشعب الفلسطيني - ما شاء الله - كنموذج حي على تفاعل الأمة مع المشروع الجهادي، وهي الصورة التي نحتاج إلى أن تصبح سمة عامة لباقي الشعوب الإسلامية، بحيث تنفض عنها غبار اللامبالاة لتستشعر أنها المعنية بما هو قائم، وأن الجماعات المجاهدة ما هي إلاّ طليعة تقدمت الصف، ومن تم فإنه لا مجال للاتكالية، خاصة في ظل الوضع الراهن، والذي - حسب التكييف الفقهي - يجعل المشاركة في الجهاد فرض عين على جميع المسلمين.
باختصار, إن التعاطف السلبي لا يرد الصائل الصليبي، وإنه لمن العار على أمة"حضارة الحق"والتي يبلغ عددها 1500.000000 مسلم أن تسمح للعدو بالجرأة على بيضتها، فضلا عن أن تظل مكتوفة الأيدي أمام العدوان.
إن كنت ذا حق فخذه بقوة الحق يأخذه الضعيف فيزهق
لغةُ السيوف تحل كلَّ قضية فدع الكلام لجاهل يتشدق
والحمد لله وهو ولي التوفيق(
التاريخ يعيد نفسه
أبو عبيد القرشي
قبل أكثر من سنة أعلن بوش الأبله الحرب الصليبية ..
نزل هذا الإعلان كالصاعقة على من اغتر بالغرب من بني جلدتنا. فإلى عهد قريب كان هؤلاء يتشدقون بألفاظ ظنوا سذاجة أن العدو صادق حين روجها في صفوفهم.."حقوق الإنسان.. ديمقراطية.. ثقافة الحوار.."كلمات رنانة طنانة.. كلمات ابتدعها أبناء الحضارة الغربية لتطبيقها بين بعضهم البعض.. لا في إطار آخر.. خاصة إن كان في دائرة الإسلام.
حين سقط القناع وظهر الخداع.. خرجت ألفاظ أخرى للاستهلاك.. ألفاظ محلها الماضي السحيق.."حرب صليبية.. رسول إرهابي.. تجفيف منابع الإسلام.. التكيف أو الاندثار.."، ألفاظ ظن السذج أن"عصر الأنوار"قد دفنها إلى الأبد.. فإذا بها تبعث من جديد.. بُعِثَت قولا.. وإلا فالعمل بمقتضاها لم يتوقف قط.. واستهداف الإسلام والمسلمين جاري منذ القدم.
(1) - لا ندعو إلى"القطرية"بمعنى الوطنية في الفكر الجاهلي، وإنما القصد هنا المشروع الحركي الذي يراعي خصوصيات الوضع القائم.
كانت الصدمة مهولة.. كيف كان هؤلاء مخطئين في الغرب لهذه الدرجة.. كيف استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.. كيف استهزأوا بأهل القبلة ممن كان يحذر من حقيقة الغرب.. ألم ينعتوهم بالسذاجة والضحالة السياسية.. ألم يتهموهم بالسطحية والفكر المؤامراتي.. ألم يصفوا تحليلهم بفقه السجون.. فمن المحق اليوم ومن المخطئ؟
إن الحملات الصليبية لم تنقطع منذ مئات السنين كما قد يتبادر للأذهان، ولم تنطلق لتوها من جديد مع إعلان بوش الأبله كما قد يظن البعض. الحملة الجديدة استمرار للهجوم الأوروبي الشامل على أراضي المسلمين الذي يسمى زورا وبهتانا"الاستعمار"، وهو الاسم الذي استعمل بذكاء من طرف الغزاة الصليبيين لاستغفال المسلمين، متنصلين بذلك من أي شَبَه بالحملات الصليبية السيئة الذكر، ومبررين استخدام اسم"الاستعمار"بأن هجومهم استهدف شعوبا أخرى من غير المسلمين في إفريقيا وآسيا. مع العلم أن الحملات الصليبية الأولى كذلك استهدفت شعوبا أخرى نصرانية (البيزنطيين والأرمن ونصارى العرب) ووثنية، لكن هدفها الأساسي كان هو تدمير بلاد الإسلام.