فهرس الكتاب

الصفحة 1364 من 3028

والمقارنة مع الماضي تؤكد حصول ذات الشيء، فقد ظهرت قوى سياسية إسلامية ناشئة ملأت الفراغ السياسي، ولعل ظهور دولة المرابطين في الجناح الغربي للأمة الإسلامية من أمثلة هذا الإفراز، الذي كانت له نتائج سريعة على الميدان، خاصة على مسرح الحرب في الأندلس مما قوى الموقف الإسلامي هناك.

تعاضد الجهود

من المعلوم أن حالة التشرذم التي كان يعيشها المسلمون هي أهم سبب وراء انتصار الصليبيين في الماضي. فمنطق المدينة/الدولة الذي كان سائدا دق إسفينا عميقا في محاولات جمع الكلمة، لأن المصلحة الوحيدة المعتبرة هي مصلحة حكام تلك المدن/الدول. وإذا كان موقف الأنظمة الحاكمة اليوم هو نسخة مطابقة لأصل ما حدث في الماضي، فإن المطلوب من الحركات والفعاليات الإسلامية ألا تسقط في هذا المطب فتحكم على نفسها وأمتها بالإعدام، وذلك لأن الوعي بوحدة الموقف والمصير من أهم متطلبات المرحلة، وبدونه لن تذوق هذه الأمة طعم النصر.

3 -الخاتمة

التاريخ يعيد نفسه.. حكمة طالما تم ترديدها.. ربما دون استيعابها حق الاستيعاب. .لكن من يقرأ كتاب الله.. ويقرأ: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله..} يعلم أن سنن الماضي تعود وتتكرر لا محالة.. وها قد عادت..

إن الحملة الصليبية اليوم تكرار لما حدث في أيام خلت، وستحدث فيها بإذن الله سنة التدافع تماما كما حدث في الماضي.. وربما تكون الوتيرة أسرع.. فالأمة الإسلامية تعيش وعيا إسلاميا قل نظيره في القرنين الأخيرين.. وها هي قد ألقت بفلذات أكبادها يواجهون جحافل الكفر شرقا وغربا.. وآخرين مستعدين للحاق بهم على أحر من الجمر.

إنها مسألة وقت.. ووقت فقط.. قبل أن يدرك بوش الأبله جسامة الخطإ الذي اقترفه.. فقد أخرج البعبع الإسلامي من قمقمه.. وحان وقت الحساب.

المراجع:

ابن كثير، البداية والنهاية - تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي- دار هجر- القاهرة 1998.

ابن الأثير، الكامل في التاريخ - دار صادر - بيروت 1966.

د. زهير شكر، السياسة الأمريكية في الخليج العربي، الدراسات السياسية الاستراتيجية 1980.

د. محمد فراج أبو النور،"صدام الحضارات.. واستراتيجية الهيمنة الأمريكية،"جريدة البيان، العدد 599.

عبد العزيز كامل،"حرب الخليج الثالثة..وتداعياتها الخطيرة،"جريدة الشعب، 27/12/2002

د. حسن الباش،"حرب صليبية جديدة.. هل هي زلة لسان أم استراتيجية المنطق الغربي؟"مجلة الإسلام عدد 81.

الحروب الصليبية

بين الماضي والحاضر

أبو أيمن الهلالي

تعتبر الحركة الصليبية من الظواهر التاريخية الكبرى التي لم تتوقف إلى يومنا هذا، بحيث عرفت تجديدا في الخطط وابتكارا في الأساليب، وتنوعا في وسائل محاربة المسلمين.

كما لم يسجل في تاريخ البشرية جمعاء، وفي كافة مراحله حملة مثلها سوى الحركة الصهيونية، لأنها لم تقتصر على المسلمين فقط، بل نالت حتى من المسيحيين الذين كانوا يعيشون في سلام وأمان في الشرق الإسلامي، ويكفي المجازر التي وقعت في بغداد وسوريا وفلسطين والأندلس...مثالا حيا وصارخا على هذه الحقيقة/الحركة الصليبية، والتي دفعت ببعض العقلاء من الأوروبيين إلى الاعتراف بدموية ووحشية أجدادهم.

لكن رغم كل ما قامت به لإرغام الناس عامة والمسلمين خاصة على التنصر، فإنها فشلت بامتياز في القضاء على الإسلام، بل كانت لها آثار إيجابية تمثلت في تحريك مشاعر المسلمين، وتوعيتهم بحقيقة العدو، ودفعهم إلى خوض معركتهم المقدسة التي تسعى لإقبار هويتهم واجتثاث وجودهم والاستيلاء على خيراتهم وأراضيهم، وصدق ربنا إذ يقول في منزل تحكيمه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30) ، وقوله سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216) .

أمام جهل البعض بدينه وتاريخه وواقعه، وعمالة الآخر-ولا سيما القيادات الفكرية والسياسية-، تم اختزال جوهر الصراع في المسألة الاقتصادية، والمصالح السياسية والأمنية، والرأي العام والديمقراطية وحقوق الإنسان...، بحيث تصدرت هذه القضايا/الاقتصاد... برامج الأحزاب العلمانية وبعض الإسلاميين، واعتبرت من أولوياتها، مع الإغفال التام للأساس العقدي والفكري الذي يحكمها، حتى شهد شاهد من أهلها/بوش- الذي يمثل رأس الصليبية العالمية-، وصرح أمام العالمين بأنه سيشن حربا صليبية على المسلمين بسبب صدمة غزوتي نيويورك وواشنطن، التي أخرجت مكنونه النفسي، وكشفت عن بنية وعيه وحقيقة نيته وعقيدته الصليبية، والتي تزامنت مع بداية الألفية المسيحية الثالثة.

هذا الوعي الذي عبر عنه بوش يرجع بالأساس إلى الوعي الغربي الصليبي المشترك، الوريث الشرعي لتراث يهودي مسيحي، الذي يجعل من الزمن مراحل تنتهي كل ألف سنة، ويستأنف دورته الجديدة مع الألفية الجديدة.

ويعتبر سلوك قائد الحملة الصليبية الاستعمارية البريطانية أوائل القرن الماضي في بلاد الشام، وتحريضه أن يطأ قدمه قبر قاهر الصليبيين صلاح الدين الأيوبي، مصرحا بانتهاء الحروب الصليبية ولاسيما بعد إسقاط الخلافة العثمانية، وإحكام السيطرة على بلاد المسلمين نموذجا لهذه العقيدة، وأيضا ما يقوم به كتاب أمريكا ومفكروها ومؤسساتها في هذه الألفية من عمل تطهيري جديد، يهدف إلى تدمير كل ما هو إسلامي.

إن العدو الصليبي حاول زعزعة ثقة الأمة بما تملك من مقدرات تاريخية وحضارية وثقافية وفكرية، وطاقات بشرية كمية (عددية) وكيفية (أدمغة) ، وموقع جغرافي استراتيجي متميز، لكن كيف نستثمر هذه المعطيات في رحلة انبعاث حضاري جديد؟ وكيف نؤهل الأمة لتكون في مستوى التحديات/الصراع؟ وكيف نستفيد من تاريخنا/ذاكرتنا الذي يختزن في طياته الكثير من التجارب والحقائق؟ وكيف نجعله عنصر إلهام لنا في المواجهة والنهوض والتحرير؟ وكيف نتصدى لحرب اللغة والمفاهيم التي تجري في الخطاب قبل الواقع؟ أي كيف نحدد معاني المفاهيم ونفهم الحقائق ونتحرر من التحكم الثقافي الذي يستخدمه إعلام العدو، الذي يحول المجاهد إلى إرهابي والشهيد إلى انتحاري والعدو إلى صديق والظالم إلى مظلوم...؟ وكيف يتحرك العدو؟ وكيف انتصر أجدادنا؟ ولماذا انهزمنا؟ وما السبيل إلى التحرير؟

هذه الأسئلة وغيرها هو ما سنحاول الإجابة عنه من خلال المحاور التالية:

أولا - جذور الصراع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت