فهرس الكتاب
إن جذور صراعنا مع العدو الصليبي ترجع بالأساس إلى العلاقة التاريخية بين الإسلام والنصرانية، أي إلى موقف النصارى من الإسلام ونبي الرحمة محمد رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهذا ما كشفه ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم في قوله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} (البقرة:120) ، وقوله سبحانه وتعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:109) ، وقوله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:217) .
وهذا ما جعل النصارى ينقسمون في عهد رسولنا العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام إلى فريقين بخصوص موقفهم من الإسلام:
أ - أهل الذمة:
الذين فضلوا مصالحة الرسول ( وعدم قتاله، ودفع الجزية، أي الخضوع لشريعتنا السمحة، مثل نصارى نجران...
لذا، فمثل هؤلاء ليس لدينا أي إشكال معهم في عصرنا الحالي الذي لا توجد فيه خلافة إسلامية، وهو ما نعبر عنه في خطابنا بالعقلاء المسالمين التواقين للحرية والعدل، الرافضين للظلم مثلنا، الذين يجب أن نبرهم ونقسط إليهم مصداقا لقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)
ويدخل في هذا الإطار التصريحات الأخيرة للأب عطا الله حنا (الناطق الرسمي بلسان الكنيسة الأرثوذكسية في القدس) ، حيث دعا إلى تشكيل لجنة إسلامية مسيحية تعمل على إفشال الحرب على العراق، والعمل على تحرير فلسطين من البحر إلى النهر إثر استقباله وفدا رسميا شعبيا في مدينة حيفا في فلسطين المحتلة عام 1948، كما أشاد بالعمليات الاستشهادية التي تطال عمق الكيان الصهيوني مؤكدا أن:"هؤلاء الاستشهاديين الفدائيين هم أبطال هذه الأمة، ونحن نفتخر بهم ونرفض قطعيا المحاولات المشبوهة في التشكيك بما يقومون به، ودعا المسيحيين العرب والفلسطينيين إلى الانخراط في المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بكافة أشكالها وأساليبها، ذلكم لأنهم جزء من هذا الشعب الفلسطيني وهذه الأمة (1) ."
ب - المحاربون:
الذين قاتلوا الرسول (، أي لم يخضعوا لأحكام الإسلام، مثل نصارى مؤتة وتبوك...
لذا، فالحملات الصليبية التاريخية والجديدة بزعامة بوش تعتبر امتدادا طبيعيا لحركة النصارى المحاربين، وإن اختلفت الأسماء والعناوين والأساليب، لأنها تلتقي على ثابت عقدي وسياسي واحد هو محاربة الإسلام وأهله، وهذا هو الأساس الجوهري الذي يجب أن تفهم من خلاله مجموعة من القرارات والمواقف السياسية والاقتصادية والأمنية... التي يتخذها الغرب الصليبي اتجاه قضايانا المصيرية (فلسطين، الشيشان، أفغانستان، العراق، الفلبين، كشمير...) .
وعليه فإن صراعنا مع الصليبية الجديدة صراع عقدي سياسي حضاري في جوهره، أي صراع وجود في بلادنا الإسلامية، حيث لا هدنة ولا تفاوض ولا حوار، أي المواجهة والقتال ودماء الشهداء هو سلوكنا السليم والصحيح اتجاههم، لتحرير بلادنا من دنسهم، وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى مصداقا لقوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} (البقرة: 193) .
ثانيا - السياق التاريخي لنشوء فكرة"الحركة الصليبية":
إن الأجواء الفكرية والنفسية التي كانت سائدة عند النصارى بخصوص نهاية العالم بعد الألفية الأولى من معاناة المسيح عليه السلام على الصليب، كانت المحرك الرئيسي لتحويل المشاعر المتعلقة بالعالم الآخر صوب بيت المقدس من أجل الخلاص، والأرضية الخصبة لنشوء الحركة الصليبية، حيث عرفت هذه المرحلة زيادة كبيرة في عدد الرحلات التي قام بها النصارى من غرب أوروبا إلى بيت المقدس.
هذه المرحلة كانت مقدمة ضرورية للنصارى، وفرصة مناسبة للتفكير الجدي في السيطرة على الأرض التي شهدت قصة المسيح عليه السلام، بحيث بدأت الكنيسة في الدعاية ضد المسلمين، ونعتهم بالكفار المتوحشين (2) ، وبالموازاة تعبئة النصارى للقيام بالحملة الصليبية لتخليص الأرض المقدسة، والتي توجت بالخطبة التاريخية التي ألقاها البابا أربان الثاني في 27/11/1095 في جنوب فرنسا (كليرمون) ، والتي دعا فيها إلى القيام بحملة ضد المسلمين في فلسطين تحت راية الصليب.
هذه الخطبة كانت نتيجة للمجمع الديني الذي عقده البابا مع جمع من الأساقفة أثناء مناقشتهم لأحوال الكنيسة، كما قامت على إثرها عدة مستوطنات صليبية في فلسطين وبلاد الشام ما بين 1096 و1291 م، لكن استعمال اصطلاح"الحملة الصليبية"لم يحدث سوى في بداية القرن 13 م، لأنها في البداية كانت توصف ب"الرحلة إلى الأرض المقدسة"أو"الحرب المقدسة"...، (3) وبعدها صار توسيع الحملات الصليبية ضد المسلمين في فلسطين والأندلس وعلى شواطئ البلطيق...، كما استعملت البابوية فكرة"الحرب العادلة"في القتال ضد مسلمي الأندلس، أما المؤرخون المسلمون (ابن الأثير، ابن كثير...) فكانوا يسمونها ب"حروب الفرنجة"أو"الإفرنج".
بعد نجاح الحملة الصليبية الأولى في إقامة مملكة بيت المقدس وعدة إمارات أخرى في البلاد العربية، أصبح همهم الأساس هو نشر قوات عسكرية ضخمة للدفاع عنها، ونشر المسيحية بين شعوب المنطقة. (4)
ولما استرجع الإمام صلاح الدين الأيوبي مدينة بيت المقدس سنة 1187 م/583 هـ، ركز الصليبيون جهدهم في الدفاع عن ما تبقى من كيانهم في فلسطين، بحيث حاولوا غزو مصر في الحملة الخامسة (1218 م) ، وكذلك في الحملة السابعة (1249 م) التي قادها لويس التاسع. (5)
ولقد استمرت الحملات الصليبية قرنين من الزمان (489 - 610 هـ) ، أي مند حملة البابا إلى سقوط عكا ونهاية - فيما بعد - الوجود الصليبي في فلسطين.
(1) - القدس العربي، العدد 4244.
(2) - راجع: Robert of Rheims, Historiore Ihersolimitana
(3) - راجع: The crusades Motives and Achievement, james A.Brundage
(4) - راجع: The Second Crusades,Virginia G.Berry
(5) - راجع: Mayer, the crusades.
بعد ذلك، حاول البابا"نيقولا الرابع"تعبئة النصارى وتذكيرهم بسقوط مماليك الصليب (عكا، بيت المقدس...) في الشرق الإسلامي، لكن دون جدوى نظرا لعدم قدرتهم/ الإرهاق، والخسائر الفادحة التي تكبدوها خلال قرنين.
ثالثا - أوضاع المسلمين قبل الحروب الصليبية:
يمكن تلخيصها في الخطوط العامة التالية:
-الانقسام والتشرذم وهيمنة المصالح الشخصية الضيقة دفعت الحكام إلى تحويل كل مقدرات الأمة (البشرية والمادية) إلى عقار/حساب خاص.