فهرس الكتاب

الصفحة 1378 من 3028

لكن هذا المذهب التعطيلي يعود إلى الظهور من جديد فينتشر بين كثير من المتدينين من المسلمين وغيرهم ، وما ذلك إلا لأنه يجد سندًا من التصور المادي المعاصر ، هذا التصور الذي يقول كما رأينا سابقا إن الوجود الحقيقي إنما هو وجود الذارت المادية ومركباتها ، ومن البديهي أنه لا مجال للخالق في نطاق هذا التصور ، إذا قلنا إن صفاته صفات حقيقية ، لابد إذن من تأويل هذه الصفات واعتبارها مجازًا أو رموزًا ولكن هذا معناه أن الخالق تعالى يكون مجرد فكرة في الأذهان لا وجود حقيقي لها في الأعيان . فلا يوصف لذلك بصفة ثبوتية فيقال إنه كذا وكذا ، بل تكون كل صفاته سلوبا فيقال أنه ليس كذا وليس كذا ، هكذا قالت الجهمية في الماضي ، وهذا يقول رجل كالأستاذ محمد أسد: إنه يقول عن الله تعالى ما ترجمته"… إننا لا نستطيع أن نتخيله"وهذا صحيح ، إذا كان المقصود به أن تكون له صورة كيفية في أذهاننا ، ثم يقول"كل ما نستطيع أن نعرفه عنه أنه ليس كذا وكذا" [5] . ثم يمضي لذلك فيؤول صفاته الثبوتية كالاستواء والسمع والبصر بل ويُؤول السماوات والكرسي .

وما يقال عن الله تعالى يقال عن عالم الغيب كله تقريبا . إن المحاولة دائما هي تأويل هذه الحقائق بحيث تصبح قابلة لأن تكون جزءًا من الأطار المادي. يقول الشيخ محمد عبد ه عن الملائكة في كلام طويل في تفسيره:"فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فأنما قوامه بروح إلهي سمى في لسان الشرع ملكًا. ، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية ، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامه ونظامها ، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكًا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسًا طبيعيًا ، لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع ، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات" [6] ثم انتقد تعريف الملائكة بأنها أجسام نورانية قابلة للتشكل بأن النور وحده لا قوام له يكون به شخصًا ممتازًا بدون أن يقوم بجرم آخر، وأن الشيء الواحد لا يمكن أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة [7] .

يقول تلميذه الأستاذ رشيد رضا - عليه رحمة الله -

"هذا ما كتبه شيخنا في توضيح كلامه في تقريب ما يفهمه علماء الكائنات من لفظ القوى إلى ما يفهمه علماء الشرع من لفظ الملائكة" [8]

وأقول لا بأس على الداعية إلى الإسلام أن يقرب معاني ألفاظه إلى الناس بالمألوف من ألفاظهم ومعارفهم ، ولكن هذا شيء وتفسير حقائق الإسلام بما يوافق أجواء العصر شيء آخر . وما فعله الأستاذ محمد عبده هنا هو من القبيل الثاني لا الأول، والذي يغرى الداعية الحديث بالوقوع في مثل هذا التفسير هو أن كثيرين من معاصرينا يقبلونه ويرتاحون إليه ويعتبرونه التفسير الذي يقتضيه العقل ، ولكنهم إنما يقولون هذا لأنهم متأثرون بثقافة عصرهم، لا لأن عقولهم أكبر من الأسلاف الذي قبلوا حقائق الغيب كما وصفها الله تعالى . إن كل ما يخالف العقل باطل لا محالة ، ولكن ما العقل؟ إن كثيرا من المفكرين يسلمون بمقدمات باطلة في تصورهم للكون ، ثم يعتقدون أن المعقول هو ما كان موافقا لتلك المقدمات فيخلطون بين الممكن عقلًا والممكن في حدود إطارهم التصوري ، بل إن من الخطأ الذي نبه عليه كثير من العماء الغربيين أنفسهم الظن بأن الممكن عقلًا يطابق الممكن في حدود العلم التجريبي .

هذا خطأ ، لأن دائرة الممكن عقلًا أوسع من دائرة الممكن تفسيره في حدود العلم التجريبي ، إذ لو كان الأمر كذلك لصح أن نقول إن كل ما لا يمكننا تفسيره في حدود علمنا التجريبي ، فهو وهم لا حقيقة له ، ولو آمن العلماء بهذا المبدأ لتوقف العلم عن التقدم منذ زمن طويل ، ولكن القحيقة أن ما لم يمكن تفسيره في حدود العلم بالأمس أمكن تفسيره اليوم وما لا يمكن تفسيره اليوم سيمكن غدا بإذن الله ، وذلك لأن دائرة العلم في اتساع دائم، ولكن العلم التجريبي مهما اتسعت دائرته فلن يستطيع تفسير بعض الحقائق، لا لأن تفسيرها غير ممكن ، ولا لأنها مخالفة للعقل ، ولكن لأنها تقع خارج المجال الذي حدده هذا العلم لنفسه ، وكونها خارج المجال لا يعني أنها أوهام أو دعاوى لا دليل عليها بل إن عليها لأدلةً تتناسب مع طبيعتها ، ولكن هذا ليس مجال الإضافة في هذا الموضوع .

من الخطأ الشائع تسمية أصحاب هذه المدرسة بالعقلانيين إذ ما كل من ادعى الاحتكام إلى العقل بعاقل وكيف يكون عقلانيًا من يحد العقل بحدود الفلسفة المادية أو بحدود الممكن تفسير في حدو العلم التجريبي الذي بلغه الناس في زمانه؟ لو كان هؤلاء عقلانيين لصح أن نصف بالعقلانية أولئك الذين أنكروا إسراء الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة ، لقد أنكروا أمرًا لا نعتبره اليوم مستغربًا حتى بوسائلنا المادية ، ولكنهم أنكروه لأن علمهم ضاق فحصر الممكن عقلا في المألوف لديهم من وسائل الانتقال ، وكذلك يفعل اصحاب هذه المدرسة المدرسة اليوم ، فيضيقون بكل أمر جاء به الذين لا يجدون له - إن أخذوه على ظاهره - تفسيرا في حدود معارفهم فيظنون هذا الظاهر مخالفا للعقل فيؤولونه تأويلات تجعله مناسبا لما حسبوه متقضى العقل وإنما هو مقتضى الأُلف والعادة ، ولذلك فإنهم يضيقون بكل ما ورد في القرآن والسنة من أحداث خارقة لمعتاد الناس ويؤولونها تأويلا يجعلها أمرا عاديا ، فالطير الأبابيل هي الجراثيم [9] ، ونتق الجبل فوق بني إسرائيل إنما كان زلزالًا وانفلاق البحر لموسى كان جزرًا [10] .

والنوع الثاني هي الذي لا يهتم بأمثال هذه التصورات الأساسية سواء كانت إسلامية صحيحة أو غربية باطلة ، ويعتبرها كلها لقصر نظره من الكلام النظري الذي لا يؤثر في الواقع العملي ، ولكنه مع ذلك متأثر بنتائج التصور الإلحادي في تصوراته الفكرية وتصرفاته العملية. فهو لا ينظر إلى الفكر الغربي في مجال الاقتصاد أو السياسة أو القانون … الخ على أنه تقاليد حضارية معينة قد تخطئ وقد تصيب، ولكنه يعطيه صفة الإطلاق فبحسب أن اقتصادهم هو الاقتصاد وقانونهم هو القانون ، وإن لم يقل الاقتصاد المطلق أو القانون المطلق فهو يراه على الأقل الاقتصاد أو القانون الذي يقتضيه العصر وتقتضيه الحضارة الإنسانية، ولذلك فإن كل ما في الإسلام مما يخالف التصور الإلحادي ينبغي أن يعاد تفسيره ، بحيث يصبح موافقا لمواصفات الحضارة الغربية ، والغريب أنهم يسمون كل هذا اجتهادًا وتجديدًا ، أغريب هو ؟ كلا فإن هذا هو المنهج الذي تسلكه كل الانحرافات فكرية كانت أو حقيقية ، إنها تسمى أباطيلها بأسماء براقة لا تعبر عن حقيقيتها ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم"ليشربنَّ ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها" [11]

ألم يقل الله تعالى عن المنافقين:

(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون:4]

ألم يقل عن أعداء أنبياء الله:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) [الأنعام:112]

هذه هي النظرة التي جعلت بعضهم يتحرجون وبعضهم ينكرون أشياء مثل تعدد الزوجات ، ورجم الزاني المحصن، و قتل المرتد ، وحجاب المرأة ، وإعفاء اللحي ، وتحريم المعازف والربا واختلاط النساء بالرجال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت