فهرس الكتاب
وسيقت للدفاع عن هذا الإنكار حجج وتّعٍلاّت من أوهي وأسخف ما يتصوره الإنسان، ولا عجب فإن الداعي إلى الإنكار ليس هو هذه الحجج وإنما معرفة المنكرين بأن هذه الأشياء مما يستبشعه العقل الغربي المعاصر، واقتناعهم بأن كل ما يستبشعه هذا العقل فهو الُمُستبشَع لأنه إنما ُينكر ويُستبشع ما كان مخالفا للعلم معرقلا للحضارة الإنسانية .
ولم يقتصر أثر الفكر الغربي على التصورات الاعتقادية والآراء التشريعية وإنما تعداه إلى الأذواق والظاهر فالزي القومي في كثير من بلاد ا لعالم الإسلامي أصبح دليل التخلف سيما فيما يتعلق بالنساء، وكل ما يفعله الغربيون رجالا ونساء بشعورهم جميل وكل ما نفعله نحن إن لم نقلدهم قبيح ، وإذا احتفلوا برأس السنة الميلادية فينبغي أن نحتفل وأن نحتلف بطريقتهم ، وإذا جعلوا لأبنائهم أعياد ميلاد فكذلك ينبغي أن نفعل ، إلى آخر ما لايكاد يُحصى من أنواع التشبيه .
إن التقليد في المسائل الشكلية أقل خطرًا ما في ذلك شك، ولكنه ربما كان أدل على التبعية العمياء لأنه إن اختلفت للمتابعة في التصورات والتشريعات تأويلات ومسوغات فكرية ، فلا يمكن أن يوجد للتقليد في المسائل المظهرية مسوغ غير الافتنان بالمقلّد، واعتباره المعيار لما ينبغي أن يُفعل وما ينبغي أن يُترك . ولكن التقليد في المظاهر له آثار خطرة قد لا يلتفت إليها كثير من الناس، إذ من الثابت أن هنالك علاقة بين المظهر والمخبر، وعليه فالذي يوافق طائقة معينة في مظر تمتاز به ويُعد شعارًا لها خليق أن يجد في نفسه ميلًا لموافقتها في مخبرها ، ثم أن المظاهر كثيرا ما تكون تعبيرًا طبيعيًا عن حالات نفسية ومبادئ تصورية ، فالتشبه بأصحاب هذه الحالات والتصورات في مظهرهم ، يساعد على إحداث تلك الحالات والتصورات في المُقلّد .
إن كثيرا من مواقفنا السياسية لها جذور فكرية في هذه التبعية للثقافة أو الحضارة الغربية ، فاتخاذ الشيوعيين وكثير من اليساريين مواثف مؤيدة لموقف المعسكر الشيوعي في القضايا العالمية حتى ما كان منها خاصا بالعالم الإسلامي هو تعبير عن موقف حضاري قبل أن يكون موقفا سياسيًا.
لكن هذه التبعية الحضارية ليست قاصرة على الشيوعيين ، فالتبعية الحضارية للمعسكر الغربي نتج عنها نفس الآثار السياسية ، فصلح كامب ديفيد مثلا سبقه صلح مع الحضارة الغربية ، سبقته كتابات لمفكرين مؤثرين كبار بأن هذه الدول الغربية هي المثل الذي ينبغي أن يحتذي ، فكل ما كان أقرب إليها كان أكثر حضارة وأجدر بالاحترام والتوقير، وبما أن إسرائيل هي قطعة من الغرب في البلاد العربية، وبما أن البلاد العربية متخلفة بالقياس إليها فإن معاداتها معاداة للحضارة الغربية ودليل على التخلف .
إن الافتتان بالحضارة الغربية في تصوراتها الاعتقادية وأحكامها التشريعية وقيمها الخُلقية ومظاهرها الذوقية لم ينتج عنه مواقف سياسية موالية للغرب فقط وإنما نتج عنه محاولة لإعادة صياغة المجتمعات الإسلامية كلها في قوالب غربية ، في تركيبها الاجتماعي ، ونظمها القانونية ، وأوضاعها الاقتصادية ، وبرامجها التعليمية ووسائلها الإعلامية على اعتقاد بأن هذه الصياغة شرط ضروري لنهضة الأمم الإسلامية وتحويلها من مرحلة التخلف والرجعية إلى مرحلة التقدم والمعاصرة .
ما هي أسباب هذه التبعية:
إن الإنسان بطبعه يمال إلى حب الموافقة والتقليد ولذلك قيل إن الناس كأسراب القطا، إن الإنسان مخلوق اجتماعي فأكبر عقاب له أن تعزله عن المجتمع في سجن انفرادي ، ولكي يعيش الفرد مع الناس لابد أن يدفع ثمن ذلك موافقة لهم في أفكارهم وعاداتهم ومظاهر حياتهم لأن المجتمع يقسو على من يشذ عنه في هذه الأمور .
والموافقة هذه أمر لا بد منه ، وهي ليس شرًا في ذاتها وأنما تكون شرًا حين تسود في المجتمع عقيدة باطلة أو فكرة خاطئة أو عادة ضارة وبطلب من الفرد أن يتابع المجتمع فيها. هنا يُمتحن الإنسان، فالكثرة من الناس تخشى المفارقة والتميز وترضى بالمتابعة وإن تبين لها الخطأ ، والقلة من الرجال والنساء التي تمتاز بقوة العزيمة والشجاعة وحب الحق هي وحدها التي تصمد وتقوى على التميز والمفارقة، وإذا ما تميزت وفارقت تبعها غيرها ممن هو أقل منها جرأة ، وتبع هؤلاء غيرهم وهكذا إلى أن يحدث في المجتمع - إن حدث - تيار جديد لا يلبث أن يكون هوالاتجاه الاجتماعي المقبول .والمجتمع ليس كومًا من الأفراد متماثلي الأهمية والأثر الاجتماعي ، ولكنه نظامٌ بعض الطبقات فيه أهم من بعض ، وأشد أثرا على غيرها ، فإذا تغيرت هذه أو سنت للناس سنة جديدة تبعها غيرها. هذه الطبقات القائدة تشمل طبقة فادة الفكر ، وطبقة الحكام ، وطبقة الأثرياء ، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في مبدأ بعثته يوجه الدعوة إلى الأفراد البسطاء فقط وإنما كان يعطي اهتمامًا خاصا لرؤساء القبائل ، وفي المدينة وجه رسائله إلى الملوك والرؤساء، على أساس أن إسلام هؤلاء يقود إلى إسلام أتباعهم، ولذلك فإن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكون نبيه الخاتم من قريش القبيلة التي قال عنها صلى الله عليه وسلم"الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم" [12] ، وفي رواية"الناس تبع لقريش في الخير والشر" [13] .
سألت امرأة الخليفة الأول أبا بكر رضي الله عنه"ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال بقاؤوكم عليه ما استقامت أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى ، قال فهم أولئك على الناس" [14]
الطبقة القائدة قد ترى رأيًا أو تسن عادة لأنها توافق مصلحتها وهواها ، وقد ترى الرأي لأنه حق وتسن العادة لأنها تراها حسنة ، ثم يأتي كثير من أفراد الطبقات التابعة فيقلدونها في الرأي أو العادة لمجرد أنها قالت به أو سنته و من غير نظر في صواب الرأي وخطئه وحسن العادة أو سوئها .
ويبدو أن ما يصدق على الأفراد في نطاق المجتمع القطري أو القومي الواحد يصدق على الأقطار في نطاق المجتمع الدولي ، سيما في عصر كعصرنا تقاربت فيه المسافات وتوثقت الصلات ، وتشابكت المصالح ، واشتد لذلك التأثير المتبادل .
الدول أيضا منها دول قائدة ودول مقودة ، فالدولة الأقوى فكرا في معرفة أمور الدنيا والتصرف فيها ، والأكثر ثراء ، والأشد قوة وبأسا ، وهي الدولة القائدة والرائدة التي يحتاج غيرها إلى فكرها وتجربتها ومالها ومنتجاتها ، وما كان أقل منها في هذه الجوانب فهي الدول التابعة .
فإذا رأت الدول القائدة رأيًا ، أو اتخذت في حياتها طريقة ، لأي سبب يخصها ، قلدتها الدول التابعة تقليدًا أعمى.
هذا على فرض أن قادة الدول القائدة بقوا في بلادهم ، فكيف إذا نتقلوا إلى البلاد الضعيفة حكامًا ورؤساء، وقادة فكر، كما حدث في العالم الإسلامي في عهود الاستعمار. أو خبراء في شتى نواحي الحياة أو أساتذة أو رجال أعمال كما هو الحال في عالمنا الإسلامي الآن .
إنه حينئذ تجتمع لهؤلاء القادة الوافدين قوتان ، قوة الدولة القائدة التي يمثلونه ، وقوة المركز القيادي الذي يحتلونه في داخل الدولة الضعيفة .