فهرس الكتاب
وبما أن الإنسان لا ينفق إلا مما يملك فإن هذه الدول الغربية القائدة إنما تنقل إلينا ما عندها ، معتقدة أن موقفها هو الموقف الطبيعي الذي تُقاس به الأشياء الأخرى ، فدينها هو الدين، واقتصادها هو الاقتصاد، فلسفتها هي الفلسفة، ومصلحتها هي المصلحة، فما عندها يُعرّف بالألف واللام، وأما ما عند غيرها فلا بد من تعريفه بالإضافة ، فيقال دين إسلامي أو بوذي واقتصاد إسلامي وفلسفة عربية أو صينية أو هندية وكذلك قل عن لغتهم وزيهم وفنهم المعماري وعاداتهم الاجتماعية .
أعود فأقول إن تبعية الفرد للمجتمع سيما إذا كان فردا من الطبقة الضعيفة وتبعية الأمة لجماعة الأمم سيما إذا كانت أمة ضعيفة أقول إن هذا سنة اجتماعية لا يمكن التغلب عليها بمجرد الأماني .
ما الحل إذن ؟
إذا كان التحليل الذي أوجزناه سابقا صحيحا ومقبولا ، فإن الحل النهائي الحاسم هو أن يزول التناقض بين الإنتماء إلى الإسلام والإنتماء لمجموعة الدول الضعيفة ، وهذا يكون إما بأن تقوى الدول الإسلامية أو بأن تسلم الدول القوية ، وكلا الأمرين ممكن، بل إن كل واحد منهما يساعد على الآخر . فإذا قويت الأمم الإسلامية احترمتها الشعوب الأخرى واحترمت تبعا لذلك دينها ، أما الآن فإن حال الأمم الإسلامية يفتن الناس عن الإسلام ، وتلك مصيبة علمنا القرآن، الاستعاذة منها:
(ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا) [الممتحنة:5] .
وإذاأسلمت الدول القوية القائدة شجعنا ذلك على العودة إلى الإسلام .
لكن دعونا الآن نحصر أنفسنا في أنفسنا ، ما الحل بالنسبة لنا؟ قلنا أن الحل النهائي الحاسم هو أن نكون أمة قائدة بالوصف الذي ذكرناه آنفا ، ولكن كيف نكون أمة قائدة ومسلمة في نفس الوقت إذا كان تحليلنا يدل على أن ضُعفنا الحالي يغرينا بالتخلي عن ديننا وتقليد غيرنا ؟
والحل في سنة اجتماعية أخرى ، وهي أن بعض الأفراد في المجتمع - وهم في الغالب من أفراد الطبقات الضعيفة- قد يشذون عن قاعدة التبعية والموافقة إذا ما توفرت لهم الأسباب، إن لديهم الاستعداد للاستمساك بالحق متى لاح لهم ، والمل لاحقاقه مهما كلفهم من جهد وسخرية اجتماعية ، حتى لو كلفهم أرواحهم. إذا عرف هؤلاء الحق واستمسكوا به وأعلنوه وصبروا على الأذى الاجتماعي في سبيله، فإنهم يوشك أن يكونوا طبقة قائدة جديدة بفكرها القوى العملي الحركي، وإذا صاروا كذلك أسرع تأثيرهم في بقية العناصر القوية في المجتمع، وهكذا إلى أن يؤول الأمر إليهم ، فإذا آل عملت السنة الاجتماعية الأولى عملها فتبعهم الناس أفواجًا بعد أن كانوا ينضمون إليهم أفرادًا أفرادًا .
هكذا فعل أنبياء الله ، وهكذا ينبغي أن نفعل إذا أردنا لحالنا أن ينصلح . لقد بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من قريش القبيلة القائدة ، وفي مكة البلدة القائدة - أم القرى - ولكنه لم يكن حاكما ولا كان ثريا ،بدأ الدعوة باللسان - بقوة الفكر - فانضم إليه الأفراد الأقوياء ، كثير منهم من الطبقة الضعيفة وقليل منهم من الأشراف. ودفع الضعفاء الحركة الإسلامية بصبرهم على الأذى والاضطهاد والقتل لأنهم أثبتوا أنهم يدافعون عن حق، ودفع الأشراف الحركة بصبرهم وببذلهم أموالهم واستغلالهم مكانتهم الاجتماعية في سبيل نشر الحق وتثبيته. ثم كانت بيعة العقبة وكانت الهجرة فصارت للدعوة الجديدة أرض مستقلة، وانضم الحكم إلى النبوة ثم كانت غزوة بدر الكبرى وهزيمة المشركين عسكريًا بعد أن هُزموا فكريًا ، ثم توالت الغزوات وتوالت معها الانتصارات حتى فتحت مكة فصارت الدولة الجديدة دولة مهيبة ، عندئذ نزل قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [النصر:1-3] .
وهكذا فعل موسى ، توجه بالدعوة إلى الرئيس الكبير لعله أن يسلم ففي إسلامه حقن للدماء وانتشار للحق بغير عناء .
(فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه:44] .
ولكن إذا كان فرعون من النوع الذي يعميه العلو في الأرض عن رؤية الحق فما كل أفراد الناس في بلده كذلك ، لقد جئ بالسحرة ليهزموا موسى وكان أكبر شرف يطمعون فيه أن يكونوا من المقربين لفرعون ولكنهم رأوا الحق ناصعًا فقالوا لفرعون وهو يهددهم بتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ثم بالصلب في جذوع النخل ، قالوا له:
(وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا) [الأعراف:126] .
وهم لا يرون من حق إنسان أن يمنع إنسانا من إتباع الحق حين يصدق فجره
بداية الطريق إذن ابتداء حركة من هذا النوع ، ولكن هذه الحركة بحمد الله قائمة بل إنها لحركة تكفل الله تعالى للأمة المحمدية بأن لا يخلو منها زمن من الأزمان ، فقد قال صلى الله عليه وسلم"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" [15] وهذه الطائقة ليست جماعة بعينها واسمها وشعاراتها ولكن يدخل فيها كل إنسان يستمسك بالحق، ويدعو إليه سواء كان من أفراد الطبقة القائدة أو من ضعفاء الناس وسواء كان يعمل مستقلًا أو في جماعة .
وفي العالم اليوم - لا أقول في العالم الإسلامي- بل في العالم كله حركة إسلامية تتمثل في جماعات شتى وأفراد وهيئات رسمية وشعبية كلها تعمل في حدود طاقتها للعودة إلى الإسلام .
فنقطة البداية إن موجودة … إنها الحركة أو الدعوة الإسلامية بالمفهوم الشامل الذي ذكرته ، والمهم أن تتسع رقعتها ويصلب عودها ، بتنمية فكرها وتقويته ، وببذل المال ، وبمساعدة السلطات الحاكمة ما كان ذلك ممكنا .
إذا حدث كل هذا وهو حادث بإذن الله أمكننا أن نسير خطوات أكثر في مواجهة الحضارة الغربية ، لا بإيقاف غزوها لنا فحسب ، بل بهداية أصحابها إلى الصراط المستقيم . إن طموحنا ينبغي أن لا يقف عند حدود الدفاع ورد العدوان بل ينبغي أن يتعداه إلى طلب المعتدي ودعوته ، كيف ؟
كيف نواجه الحضارة الغربية ؟
كيف نواجهها فنكف أثرها السلبي عنا وكيف نواجهها فنقومها ونصلحها لكي تكون حضارة إنسانية حقا.
لقد قلت إن هذا لا يتأتي إلا إذا صرنا أمة قائدة وتحدثت عن الخطوة الأولى نحو تلك القيادة وفيما يلي نستكمل بقية الخطوات وبإيجاز شديد:
أولًا: الحكم بالإسلام ومن أهم عناصر هذا الحكم:
أ- الاستقلال وعدم التبعية للدول الكبرى سواء كانت تبعية سافرة أو مقنعة ، ولعل هذا الاستقلال هو الآن أصعب الأشياء منالا فهو يحتاج مع الأخذ بكل الأسباب المادية اللازمة له إلى إيمان راسخ وتوكل على الله تعالى وتذكر دائم بقوله سبحانه:
(وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص:57] .