فهرس الكتاب

الصفحة 1387 من 3028

فالشورى نظام رباني وضعه الله سبحانه وأمرنا به لأنه الأعلم بهذا الإنسان وبالأساليب التي يحصل من خلالها على حياة سعيدة كريمة. فالحاكم في الإسلام أيًا كانت درجة حكمه خاضعٌ لسلطان الله المتمثل بالشريعة الغَرّاء، فهو يحكم بهذه الشريعة على نفسه وعلى رعيته وإن استشارهم في أمرٍ من الأمور وتفحّص آراءهم وقلّب وجهة نظرهم فهو ليس ملزمًا أن يأخذ برأي الأكثرية فيتعطّل دوره، بل الواجب عليه أن يأخذ بما ترجَّح عنه أنه الأقرب إلى الصواب والأرجح أن يكون الحق عنده.

فالحاكم في الإسلام مقيَّد بالشريعة الإسلامية فلا رأي لمن كان رأيه مخالفًا لشرع الله ولا مصلحة لمن يرى أن المصلحة في أمر مخالف لتعاليم الإسلام، فالكل يجب أن يكون خاضعًا للكتاب الله وسنّة رسوله. والشورى ركن من أركان ممارسة الحكم أو الإمارة في الإسلام فواجبٌ على الجميع تطبيقها حكامًا كانوا أو محكومين.

والشورى كما بيّنا تختص بالنخبة من أصحاب العلم والاختصاص والتقوى والورع والالتزام وهي بذلك تقطع الطريق على الرِّعاع من الناس الذين تلعب بهم الأهواء ويميلون مع الرغبات وينظرون إلى المصالح الآنيّة والرغبات الشخصية حتى لا يوصلوا إلى مراكز القرار وحكم الناس من هو ليس أهلًا لذلك كما هو حاصل في الذين توصلهم الديمقراطية إلى مناصب رفيعة تحت ضغط التأثير الإعلامي والمادّي والوعود بتحقيق الرغبات والنزوات الشخصية.

وتطبيق الشورى بين المسلمين واحد من العبادات التي أمرهم الله بها، وهل هناك أَدَلّ على هذا من أن الأمر بها أتى بين عبادتَيْ الصلاة والزكاة؟

وقد بينها الله لنا وأمر بها النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم في أشدّ مراحل الدعوة وبعد حدث جلل كان له الأثر الكبير على المسلمين. فهذا هو النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم يستشير أصحابه في الخروج إلى لقاء العدو أو البقاء في المدينة فأخذ برأي من أشار عليه بالخروج ولكن النتيجة كانت سلبية إذ وقعت الهزيمة في (أُحُد) وقُتل عدد من كبار الصحابة وأُصيب النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم. ومع هذا كله فإن المبدأ الرباني أكبر من الحدث الضيق، فالمبدأ فيه تربية للأمة وتنشئتها على أساس متين لذا جاء الأمر بعد الحدث وبعد الخسارة وبعد الشورى: بالتأكيد على مبدأ الشورى وعلى أنه أساس يجب التمسك به والعمل بمقتضاه. وما أجمل الكلمات والتوجيهات التي جاءت عقب كلمة الشورى في الآية الكريمة من سورة آل عمران: وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله....

فبعد تقليب وجهات النظر والتوجُّه لأخذ واحد من الآراء فإذا عزمتَ على المُضيّ في اتجاه معيَّن فتوكل على الله وسِرْ ما دمتَ قاصدًا بذلك مرضاة الله ونُصرَة الإسلام والمسلمين وإياك أن تلتفت إلى النتائج لأن الأمر بيد الله يجعل النتيجة حيث يشاء وكيف يشاء.

العقلية المتسائلة وأثرها في الأمة

في إحدى حفلات التخرج في كلية الهندسة قال الأستاذ وهو يسلم إحدى الخريجين شهادة التخرج:

* هذا الأمر القرآني المتحضر يحتوي على دعوة من المولى عز وجل للأمة بان تتحلي بثقافة السؤال . وهذه الآية- كما يقول العلامة بن سعدي -"وإن كان سببها خاصا فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين, أصوله وفروعه, إذا لم يكن عند الإنسان علم منها, أن يسأل من يعلمها. ففيها الأمر بالتعلم والسؤال لأهل العلم". لذلك فالسؤال عبادة . عبادة يجب أن تفعل في واقع حياة الأمة . فالله عز وجل حينما أمر بسؤال أهل الذكر, وأهل العلم, وأهل الدراية, وأهل الاختصاص - كل في مجاله - إنما كان يدعو الأمة المسلمة إلى أن تجود, وتطور, وتحدث حياتها على وجه الأرض باستمرار من خلال تفعيل عبادة"فاسألوا"عند أبناء الأمة . وذلك عن طريق تحفيز العقليات المتسائلة في الأمة لتتساءل , وتتناقش , وتتحاور, وتبحث , وتستخلص أفضل الإجابات التي تساهم في تطوير وتحسين حياة الفرد, والمجتمع, والأمة جمعاء .

فمن المعروف إن الأمم تشيخ, ومن ثم تموت إذا جبل أبناؤها وربوا على تعطيل عبادة السؤال فيما بينهم .والتاريخ خير شاهد , ولطالما أخبرنا أن الأمم التي أراحت عقول أبنائها من التحلي بهذه العبادة إنما أصابها الجمود, وتعمق فيها التخلف , وعشش على جدرانها الانحطاط . والأخطر من هذا أنها أصبحت ميدانا خصبا لترعرع الأفكار والآراء والنظريات الهدامة التافهة . كما وأصبحت أكثر استعداد لتقبل الغزو الفكري والثقافي والإعلامي الخ دونما أية مقاومة من أي نوع .

أما حينما تحيي الأمة عبادة السؤال , ويتحلى أبناؤها بالعقلية المتسائلة , فإنها بذلك تنمي معارفها , وتثري علومها , وتنعش حفائظ علمائها ومثقفيها ودعاتها وأهل الخير فيها كل في مجاله . كما وتفتح الباب واسعا للإبداع والاجتهاد .فشيوع ثقافة السؤال تهدم الكثير من المسلمات المتخلفة في مجتمعاتنا . وتطرد البديهيات المنحرفة . وتفكك الكثير من الآراء السلبية لدى العامة .كما و تعمل على توليد المزيد من الأفكار المتحضرة التي تساهم في تطوير واقعنا الذي نحياه . لتستمر الحياة على الأرض بالطريقة التي يريدها الله عز وجل

يقول عبد الله بن نجاد العتيبي

الإنسان والأمم والحضارات كلها تمرّ بمراحل من القوة والضعف، والعلم والجهل، والنجاح والفشل، لكنني أحسب أن معارج القوة والعلم والنجاح لا ترتقيها الشعوب والحضارات إلا بأجنحة التساؤل التي تمتد لتشمل الآفاق والأنفس. (وأحسب ) أن دركات الضعف والجهل والفشل لا تهوي في البشر والأمم إلا وهم مثقلون بأرتال الإجابات الباردة وجنائز الأسئلة الموءودة )

ويقول الفيلسوف الألماني نيتشه:

من أراد أن يرتاح فليعتقد، ومن أراد أن يكون من حواريي الحقيقة فليسأل .

ويقول انطوني روبنز:

لقد أدركت أن بان الفرق الأساسي بين الأشخاص الذين حققوا نجاحات- في أي ميدان من الميادين - وأولئك الذين لم يحققوا مثل هذا النجاح هو أن الأشخاص الناجحين وجهوا أسئلة أفضل وبالتالي توصلوا لإجابات أفضل توصلوا إلي إجابات منحتهم القوة لكي يعرفوا ماذا يفعلون في أية وضعيه يجدون أنفسهم فيها لكي يحققوا النتائج التي يطمحون في تحقيقها

لذلك يجب أن ندرك و نؤمن بأن الأسئلة الجيدة تخلق حياة جيدة .وأن حياتنا على الأرض ما هي إلا انعكاس لما يشغلنا من تساؤلات . ولنسترجع سويا نشأت ذلك الفتى الذي كان يدعى روزبه بن خشنودان. ذلك الفتى الذي كان يعبد النار في بلاد فارس . إلا انه كان يشعر بتفاهة هذا المعبود . وظل يؤرقه سؤالا:

= أين الحقيقة ؟

= وما هو المعبود الحق في هذا الوجود ؟

= وما هو الدين الصواب على وجه هذه البسيطة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت