فهرس الكتاب
اخذ يسال.. ويسأل .. ويتنقل .. ويتتبع ..ويقتفي اثر الحقيقة المفقودة . وفي سبيل ذلك قطع آلاف الأميال من بلاد فارس إلى بلاد الشام. تنقل ما بين الموصل , ونصيبين , وعمورية. ثم استقر به المقام في وادي القرى ما بين الشام والمدينة . وبعد هذا البحث شاء الله له أن يذهب إلى يثرب. وهناك تعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم .الذي أضاء له الطريق ووضح له الحقيقة كل الحقيقة .
فلولا تلك العقلية المتسائلة عند روزبه بن خشنودان - والذي عرف في تاريخنا الإسلامي بعد ذلك بسلمان الفارسي -لما توصل إلى تلك الحقائق العظيمة التي توصل إليها . لولا تلك العقلية لما تغيرت حياته من خادم للنار في بلاد فارس إلى"سلمان منا أهل البيت". ويا له من فضل. . لولا تلك العقلية المتسائلة لظل الفتى يحيى في واقع بئيس و لعاش الفتى ومات كما تعيش الخراف و تموت .
ولولا تلك العقلية المتسائلة ما سمعنا عن بل جيتس.أحد مؤسسيي شركة مايكروسوفت و رئيس مجلس إدارتها الحالي و كبير مصممي برمجياتها. الذي يعتبر أغنى شخص في العالم في العشر سنوات الأخيرة والذي بلغت ثروته في سبتمبر 2005 حوالي 51 مليار دولار. بل جيتس الذي أصبح بليونيرا عند بلوغه الواحد والثلاثين من عمره ! .
لولا تلك العقلية المتسائلة ما سمعنا هنري فورد الرأسمالي الأميركي الشهير ومؤسس مصانع فورد الشهيرة لصناعة السيارات والذي بلغ دخل شركته- التي تعد واحدة من أضخم شركات العالم في إنتاج السيارات- في نهاية 2005 مائة وثمان وسبعين مليار دولار وهو بكل تأكيد رقم ضخم وكبير .
لولا تلك العقلية المتسائلة ما سمعنا عن عالم الفيزياء المشهور ألبرت اينشتاين واضع النظرية النسبية العامة الشهيرة والحائز على جائزة نوبل 1921م . والذي كان يؤمن بأن أهم شيء في هذه الحياة هو: ألا تتوقف عن التساؤل.
إن هؤلاء جميعا - وغيرهم - بدءوا بدايات عرجاء . إلا أنهم كانوا أصحاب عزيمة صادقة وعقليات متسائلة . وان النجاحات الباهرة التي حققوها - وأنت أيضا يمكنك ذلك -إنما سبقتها أسئلة جيدة . وجهد وكد في البحث عن إجابات جيدة عن تلك الأسئلة ."فالأسئلة أداة سحرية لا يمكن إنكار قوتها .فهي تسمح للقوى الكامنة في أدمغتنا بالالتقاء مع رغباتنا . إنها النداء الذي يدعو إمكانياتنا العملاقة للاستيقاظ . إن الفرق بين الناس إنما يكمن في الفرق في الأسئلة التي يطرحونها باستمرار".لذلك -"إذا أردنا أن نغير نوعية حياتنا فعلينا أن نغير الأسئلة التي اعتدنا عليها"لان -"السؤال الجيد غالبا ما يتبعه إجابات جيدة". بمعنى آخر"الجواب الجميل هو لمن يطرح سؤالا أكثر جمالا". لذلك -"لكي تغير حياتك نحو الأفضل فعليك أن تبدل أسئلتك المعتادة". ( راجع باب: الأسئلة هي الأجوبة من كتاب: أيقظ قواك الخفية- لأنتوني روبنز)
إن الواقع المنهار الذي يعيشه كثير منا كأفراد أو كجماعات أو كأمم إنما يحتاج إلى حلول عميقة . وهذه الحلول العميقة لا يكمن أن تخرج إلا من رحم الأسئلة العميقة.
وتلك الأسئلة العميقة لا يمكن أن تصدر إلا عن عقليات متفتحة غرست فيها ثقافة السؤال .وتعي فقه الواقع في قول الله عز وجل"فاسألوا أهل الذكر إن كنم لا تعلمون". (الأنبياء-7)
إن خلق تلك العقلية في الأمة يحتاج إلى جهود مخلصة تعمل جاهدة على توفير مناخ صحي يساعد على غرس ثقافة السؤال عند أبناء المسلمين في مدارسهم , في معاهدهم , في مناهجهم , في مساجدهم . في طرق التدريس والتعليم , والتقويم . في طرق التفكير , والنقد والإبداع .
على المربين والآباء أن يفتحوا الأبواب واسعة أمام العقليات المتسائلة . فكثير من التطورات التي طرأت على عدد من الأمم كانت وراءها عقول متسائلة . وكثير من المجتمعات ارتقت وسمت نتيجة لتفشي ثقافة السؤال بين أبنائها . وكثير من الإفراد الذين تميزوا كانوا أصحاب عقول متسائلة . لذلك يجب علينا أن نسعى جاهدين إلى نشر هذه الثقافة في كل مؤسساتنا, وألا تضيق صدورنا من جراء ذلك .فثقافة السؤال هي الوحيدة القادرة على إحداث حراك إيجابي ينتشل الأمة من حيرتها ويعيد إليها شبابها ومجدها .
وفي النهاية دعني أسألك:
= ما الهم الذي تحمله ؟
= وما هو السؤال الذي يشغلك ويؤرقك الآن ؟
= وهل لديك الاستعداد الكافي للكد والسعي وراء البحث عن إجابات عن هذا السؤال ؟.
إذا كان الأمر كذلك فابدأ رحلتك من ألان . وإذا كان الأمر غير ذلك"فتذكر إن عقلك مثل جني فانوس علاء الدين . وانه لن يعطيك إلا ما تطلبه منه . لذا عليك أن تكون حريصا فيما تطرحه من أسئلة. إذ انك لن تجد إلا ما تبحث عنه".وتذكر أن من اعتاد طرق الأبواب حتما سيدخلها .
طارق حسن السقا
العقيدة أولا
أيها الأخوة:
فإن من أهم القضايا التي تشغل بال أهل العلم ، بل يجب أن تشغل بال كل مسلم ما يتعلق بالعقيدة ، من حيث فهمها ونشرها والعمل بها ، والتأثر بها في الحياة الفردية والاجتماعية ، والحياة العلمية والعملية. فإن العقيدة بلا ثمرة لا تفيد صاحبها، لا في الدنيا ولا في الآخرة .
والعقيدة ليست مجرد علم يحصل فحسب ، ولا أيضا مجرد عمل يظهر فحسب ، بل العقيدة هي الإسلام ، من حيث التعامل ، ومن حيث المواقف ، فهي الدين .
ولقد ضاق في العصر الحديث لدى كثير من المسلمين مفهوم العقيدة ، حتى كاد أن يحصر في جانب معين من جوانب المعرفة.
ولم يكن الخطأ في هذا المفهوم حاصلا من قبل أصحاب الأهواء والبدع فحسب ، بل (مع الأسف) حصل تضييق مفهوم العقيدة حتى عند بعض من ينتسبون إلى السنة ، حتى كادت تنحصر لدى بعض المثقفين والمفكرين وطلاب العلم ، في مجرد العلم والمعرفة ، وعند فريق آخر في مجرد التعامل مع الآخرين ، وهذان مسلكان على طرفي نقيض ، بينما العقيدة نهج كامل ، فهي دين الفطرة ، وهي سبيل المؤمنين ، وهي نهج السلف الصالح .
وحصر العقيدة في الأمور العلمية المعرفية إنما هو منهج منحرف . لم يكن يعرف في تاريخ الإسلام إلا الإسلام من جميع الجوانب، من حيث الاعتقاد ، ومن حيث العلم ، ومن حيث العمل ، والسلوك ، ومن بعد ما ظهرت الفرق الكلامية. وبعد ما ظهرت الأهواء .
وكذلك حصر العقيدة في مجرد التعامل مع الآخرين ، والموقف منهم ، وأسلوب تناول الأحداث والأحكام ، دون التركيز على الجانب العلمي والمعرفي أمر طارئ كذلك لم يحدث إلا عند بعض أهل الأهواء ، كالخوارج ومن سلك سبيلهم.
ولقد أسهمت الاتجاهات الحديثة التي يدفعها الغزو الفكري، كالعلمانية، والشعوبية والقومية أو غيرها ، في حصر العقيدة في زاوية من زوايا الحياة لدى المسلم ، بل في زاوية من زوايا النفس لدى المسلم ، فلذلك لما ظهرت الصحوة المباركة بحمد الله في العقود المتأخرة وبدأت تتحسس أمور الإسلام الحقيقية ، وبدأت تتلمس المسار الصحيح لاستئناف الإسلام - ظهرت أصوات كثيرة (منها ما يحمل شعارات إسلامية) تستنكر أن يكون للعقيدة أثر علمي في حياة الناس ، أو أن تتدخل العقيدة في شؤون الحياة.
ومن ثم نشأت مفاهيم باطلة ومنحرفة وخطيرة ، مثل الفصل بين الشريعة والعقيدة ، أو اعتبار العقيدة شيئًا معرفيا فكريًا ثقافيًا لا صلة له بالعمل والتعامل ، أو اعتبار العقيدة مسلكًا شخصيًا إنما يسلكه طائفة من البشر ربما يوصفون بضيق الأفق أو بالأصولية أو السلفية أو نحو ذلك.