فهرس الكتاب
ولقد كان الفكر الإسلامي ولا يزال - وسيظل - قادرًا على أن يعمل داخل الإطار الذي رسمه القرآن وحدده وأن يحكم المسلمون على كل ما يواجههم في ضوء القرآن والسنة لا يتعداهما إلى مصدر آخر.
وفي هذا بالمجال فرق الفكر الإسلاتمي بين المعرفة والثقافة، فالمعرفة عامة والثقافة خاصة، ولكل أمة ثقافتها المستمدة من عقيدتها وشريعتها وأخلاقها كذلك فرق بين العارض والأساسي، وبين لالمعارف الجوهرية والمعارف غير الجوهرية، ودعا إلى وحدة الفكر في قطاعاته المختلفة فلا سبيل لفهم قطاع من الفكر الإسلامي وحده منفصلًا عن قطاعاته الأخرى.
كما فرق بين مقاييس العلوم التجريبية، ومقاييس الدراسات الإنسانية التي لا يمكن أن تخضع لأساليب العلوم التجريبية والمادية، لأنها تتصل بالنفوس والأخلاق، كما رفض الفكر الإسلامي مبدأ التقليد الأعمى ومبدأ التبعية وأقر مبدأ الأصالة والتماس المنابع.
تكامل أبعاد الفكر الإسلامي:
وقد قام الفكر الإسلامي في تكامله على أبعاد ثلاثة:
أولًا: عمق زمني: يربط الإنسان بالتاريخ والزمن والواقع وقضايا الحياة.
ثانيًا: اتساع مكاني: يربطه بالأحداث العالمية في العالم المحيط به"وهذا هو الشطر الذي يعتبره الفكر الغربي الحديث أساسًا وحيدًا للفكر"أما الإسلام فإنه يعترف بعلاقة البيئة ولكنه لا يراها العلاقة الوحيدة.
ثالثًا: تكامل موضعي بمعنى وضع الجزء في مكانه من النظرة الكلية الجامعة.
وقد عارض الفكر الإسلامي:"الجمود"الذي يزري بقيمة العقل ويحط من كرامة الإنسان.
وعارض التعصب: الذي يمنع الإنسان من تقليب وجهات النظر المختلفة.
كما عارض التقليد: الذي يجعل الإنسان تابعًا للقديم أو الوافد دون فحص أو تمحيص.
ثم إن الفكر الإسلامي يعارض كل ما يصادم قوانين الكون ونواميس الوجود والحياة ويرى أن كل شيء يبدأ من نقطة ثابتة وينتهي إليها (حركة في إطار الثبات) وأن كل شيء يبدأ صغيرًا ثم ينمو حتى يكتمل ثم يعود مرة أخرى (كالطفل والقمر) .
وقد رفض الفكر الإسلامي المنطق اليوناني الذي يقوم على القياس والاستدلال النظري وأقام منطقًا جديدًا مستمدًا من خصائصه وهو المنهج الحسي التجريبي، وأعلن أن القياس المنطقي ليس كافيًا وحده في إقامة النظريات خاصة التي تعارضت مع واقع التاريخ، وان الاستشهاد بوقائع غامضة من التاريخ - كما فعلت نظرية ماركس المادية - هو أيضًا زيف.
بين الفكر واللغة:
وأسوأ انواع القياس: القياس الفاسد لا تؤيده حقيقة علمية وكشف الفكر الإسلامي عمق الارتباط بين الفكر واللغة وأن"منهج البحث"لأي فكر هو ما يطلق عيله لأنينا اسمن"الأورجانون"يستند أساسًا إلى خصائص اللغة ولذلك فإن منهج المعرفة الإسلامي لا يمكن أن يستند إلى خصائص لغة غير اللغة العربية، ذلك لأن لكل لغة منهجها القائم على معانيها ومضامينها، وقد هاجم المسلمون المنهج الأسرسطي، وكشفوا عن أنه قائم على خصائص اللغة اليونانية التي تخالف اللغة العربية، ولذلك فهم لا يقبلون به.
كذلك الأمر بالنسبة إلى المنهج الغربي الوافد ذلك أن الفكر الإسلامي لا يستطيع أن ينطلق إلا من خلال منهج البحث الخاص به المستمد من اللغة العربية أولًا.
كما أعلن عن أن كل نظرية أو مذهب قامت أو قام في مجتمع ما. إنما أقامها أهلها على مقياس مجتمعهم. وفي ظل تحدياته الواقعية والتاريخية معًا. فهي ليست سوى استجابة ظرف وبيئة. وكذلك فهي سرعان ما تتحول مع مرور الزمن إلى أداة عاجزة عن تحقيق الهدف فيضاف إليها ويحذف منها. ولذلك فإن نقلها في حد ذاته إلى بيئات أخرى لا يحقق نتيجة ما، لأنها كالبذر الغريب، لا ينبت في غير تربته، ولقد كان المفكرون المسلمون على يقظة تامة إزاء هذا الملحظ الدقيق.
الديمقراطية والماركسية في أفق الإسلام:
ولقد كان لطرح المذهبين: الديمقارطي والماركسي في أفق الفكر الإسلامي، أبعد الأثر في الاضطرابات التي أصابت المجتمع الإسلامي خلال القرن الماضي؟، فقد اقتسم المذهبان مؤامرة الهدم.
فاحتضنت الماركسية هدم الدين والعقائد والتشكيك في القيم الإنسانية والنفسية والمعنوية.
واحتضنت الديمقراطية هدم الأخلاق ونشر الإباحية والتحلل وتوجيه السلوك توجيهًا يعلي شأن الغريزة وانطلاق العاطفة والشهوات والأهواء.
وقد تبين أن جميع أنظمة الغرب، لليهودية العالمية أصبع في وضعها أو في احتوائها أو تعديلها وتفسيرها وتشرها. وقد خضعت إما لمصلحة أصحاب رءوس الأموال، وإما لمصلحة طائفة أخرى من أهل النفوذ والسلطان. والنظام اليهودي، قائم على تبادل المنفعة، والقانون عندهم هو الذي يتمشى مع القانون ولا تعاقب عليه المحاكم. أما النظام الإسلامي فهو قائم على مبدأ"الإيثار المتقابل".
وقد تبين للفكر الإسلامي أن المذهبية الفردي والماركسي يتقاربان في عديد من وجهات النظر، بل إنهما يقومان فعلًا على مفهوم التفسير المادي للتاريخ الذي أوشك أن يكون أساسًا للرأسمالية والماركسية معًا وإن كان الغرب لا يعتمدها وحدها في تفسير الوقائع ويضيف إليها التحليل النفسي الفرويدي (أي ماركس وفرويد معًا) .
وقد ظهرت نزعات العنصرية تحت اسم القوميات، كمقدمة لظهور العنصرية اليهودية، وكانت اليهودية العالمية تحمل لواء الرأسمالية والاشتراكية معًا، وهي التي خلقت الصراعات والمعارك بين الأمم تحت هذا اللواء أو ذاك، وهي التي حملت النظرية المادية في الغرب والنظرية الإشراقية في الشرق، ومن وراء الهيبز والبوذيين في نفس الوقت، ودعوات العلمانية والبيوصوفية جميعًا.
وهي التي قامت من وراء الروحية الحديثة التي تدعو إلى ظهور إله جديد اسمه"سلفريرش"ومن وراء العقلانية التي تنكر كل ما وراء الحس، وهي التي دعت إلى أن الجنس عملية بيولوجية لا علاقة لها بالأخلاق، وأن الدين شخصي لا علاقة له بواقع الحياة، في محاولة لهدم الأسرة والأخلاق، وأن القول بأنه لا علاقة بين اللباس والأخلاق، أو أن المجرم مريض، وليس مذنبًا، أو السخرية بعفاف المرأة والبكارة في محاولة لدفع البشرية كلها إلى الوثنية والإباحية.
وهكذا يطغي الفكر البشري في هذا العصر مكتسحًا مفاهيم الخلق والدين والرحمة والكرامة الإنسانية ولم تعد هناك قوة قادرة على مواجهته وصد موجته غير الإسلام: دين الله الحق الباقي، على حمل رسالة التوحيد الخالص إلى العالمين.
إثارة الشبهات حول الإسلام:
ولقد حاولت قوى التغريب والغزو الفكري إثارة الشبهات حول الفكر الإسلامي وانتقاصه بدعاوي عدة: منها... أولًا: وصف الفكر الإسلامي بالذرية (أي بالتجزئة والانفصال) .
وهذا خطأ محض، لأن الإسلام إنما يقوم أساسًا على التكامل وعلى التقاء العناصر المختلفة في كل موحد وهو في هذا يختلف عن الفكر الغربي القائم على الانشطارية أساسًا وعلى الفصل بين الدين والدولة، بين الدين والآخرة، والذي يعلي من شأن المادية.
وقد استمد شبهة الذرية من إنتاج مرحلة الضعف والتخلف، حين علت نزعة جبرية الصوفية ومن قبلها علت نزعة عقلانية الاعتزال، وكلاهما لا يمثل السلام، وبحكم الإسلام بأحدهما وإنما يحاكم لمفهومه الأصيل في عصر قوته وهو المفهوم الجامع الذي يقوم عل أساس ترابط القيم والعناصر، وربما ارتبطت صفة الذرية بالعقل حين يعجز عن النظرة الكلية، التي تلتمس الأبعاد الكاملة ولكنها في الواقع تتعارض مع مفهوم الفكر الإسلامي المستمد من جوهر الإسلام والقائم على التكامل والسطية.
ثانيًا: القول بأن الفكر الإسلامي فكر تجريدي..