فهرس الكتاب
وقال سماحة الشيخ العلامة بكر أبو زيد:"حدود الجزيرة العربية غربًا بحر القلزم والقلزم مدينه على طرفه الشمالي وهو المعروف باسم البحر الأحمر ، ويحدها جنوبًا بحر العرب ويقال بحر اليمن، وشرقًا خليج البصرة ( الخليج العربي ) والتحديد من هذه الجهات الثلاث بالأبحر المذكورة محل اتفاق بين المحدثين والفقهاء والمؤرخين والجغرافيين وغيرهم الحد الشمالي يحدها شمالًا ساحل البحر الأحمر الشرقي وما على ماسامته شرقًا من مشارف الشام وأطرافه ( الأردن حاليًا ) ومنقطع السماوة من ريف العراق والحد غير داخل في المحدود هنا"اهـ .
وبالجملة فالجزيرة العربية هي قاعدة الإسلام والمسلمين ومنطلقه العريق وهي أولى البلاد بأن تكون خالصة للإسلام والمسلمين طاهرة من رجس اليهود والنصارى . بأي مسمى جاؤوا إليها سواء مسمى الإعانة أو الدفاع أو الإقامة ، ولذا جاء التحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم بتطهير الجزيرة العربية منهم .
قال ممليه عفا الله عنه: والعجب مما ذهب إليه بعض العلماء من أن المراد بجزيرة العرب التي ورد ذكرها في الأحاديث هي الحجاز فقط حيث خصصوا الحكم بإجلاء اليهود والنصارى والمشركين من الحجاز مع أن الحجاز لا ينطبق عليه تعريف الجزيرة لأن الجزيرة جزء من اليابسة يحيط به الماء من جميع جهاته أو من أغلبها والحجاز لايحيط به الماء من جميع جهاته ولا من أغلبه وإنما يحده من جهة واحدة وهي الجهة الغربية فكيف يطلق عليه الرسول صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب في الأحاديث الكثيرة ، وقد بحثت عن دليل يخص الحجاز بهذه التسمية فلم أجد سوى أمرين استدل بهما القائلون بأن الحجاز هي جزيرة العرب ، وهما دليلان لا يوصلان إلى المدعى ، أما الأول فقالوا إنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث قوله:"أخرجوا اليهود من الحجاز"، وأما الثاني: فإنهم قالوا إن الحكَّام وبعض العلماء تركوا اليهود في اليمن وتيماء فلو كانت هذه الأماكن من الجزيرة لما تركوا اليهود فيها .
الجواب عن هذين الدليلين:
أما الأول: فإنه قوله صلى الله عليه وسلم أخرجوا اليهود من الحجاز وهو لايتنافى مع قوله صلى الله عليه وسلم أخرجوهم من جزيرة العرب لأن الحجاز جزء من جزيرة العرب ومعلوم أنه قد تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد العام أو أجزاء الكل لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذكر بعض أفراد العام أو أجزاء الكل مخالفًا لحكم العام أو الكل أو موافقًا له ، فإن كان موافقًا له فهو مؤكد له غير معارض له كما في ذكر إجلاء اليهود من الحجاز فإنه موافق لقوله:"أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب"غير معارض له لأن الحجاز من جزيرة العرب وإن كان ذكر بعض أفراد العام أو أجزاء الكل مخالفًا لحكم العام أو الكل فهو مخصص له غير ناسخ له .
ثانيًا: أما استدلالهم بترك بعض الحكَّام والعلماء لليهود في تيماء واليمن فالجواب عنه أن يقال: أولًا: قد يكون لتركهم لليهود في اليمن وغيره مبرر يقتضي ذلك بأن يكون تركهم في هذه الأماكن وعدم إجلائهم فيه مصلحة للإسلام والمسلمين تربوا على مفسدة بقائهم . ثانيًا: وقد يكونون غير قادرين على إجلائهم .
وقد تعرض الإمام الصنعاني في كتاب الجهاد من كتاب سبل السلام لهذا فقال رحمه الله:"قلت: لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب والحجاز بعض جزيرة العرب وورد في حديث أبي عبيدة الأمر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم كما"
قرر في الأصول أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام .
وهذا نظيره ، وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد من إخراجهم من الحجاز لأنه أدخل إخراجهم من الحجاز تحت الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب، ثم أفرد بالأمر زيادة تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ كيف وقد كان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم:"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".
وأخرج البيهقي من حديث مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبدالعزيز يقول:"بلغني أنه كان آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب".
وأما قول الشافعي: إنه لا يعلم أحدًا أجلاهم من اليمن فليس ترك إجلائهم بدليل فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة ، وقد ترك أبو بكر رضي الله عنه إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم لشغله بجهاد أهل الردة ولم يكن ذلك دليلًا على أنهم لا يجلون بل أجلاهم عمر رضي الله عنه، وأما القول بأنه صلى الله عليه وسلم أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ:"خذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافريًا"فهذا كان قبل أمره صلى الله عليه وسلم بإخراجهم فإنه كان عند وفاته كما عرفت ، فالحق وجوب إجلائهم من اليمن لوضوح دليله، وكذا القول بأن تقريرهم في اليمن قد صار إجماعًا سكوتيًا لا ينهض على دفع الأحاديث فإن السكوت من العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة أو غيره من فعل محظور أو ترك واجب لا يدل على جواز ما وقع ولا على جواز ما ترك فإنه إن كان الواقع فعلًا أو تركًا لمنكر وسكتوا لم يدل سكوتهم على أنه ليس بمنكر لما علم من أن مراتب الإنكار ثلاث باليد أو اللسان أو القلب ، وانتفاء الإنكار باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب وحينئذ فلا يدل سكوته على تقريره لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعًا سكوتيًا إذ لا يثبت أنه قد أجمع الساكت إذا علم رضاه بالواقع ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب . وبهذا يعرف بطلان القول بأن الإجماع السكوتي حجة ولا أعلم أحدًا قد حرر هذا في رد الإجماع السكوتي مع وضوحه والحمد لله المنعم المتفضل ، فقد أوضحناه في رسالة مستقلة ، فالعجب ممن قال: ومثله قد يفيد القطع وكذلك قول من قال إنه يحتمل أن حديث الأمر بالإخراج كان عند سكوتهم بغير جزية باطل لأن الأمر بإخراجهم عند وفاته صلى الله عليه وسلم والجزية فرضت في التاسعة من الهجرة عند نزول براءة فكيف يتم هذا ، ثم إن عمر أجلى أهل نجران وقد كان صالحهم صلى الله عليه وسلم على مال واسع كما هو معروف وهو جزية والتكلف لتقويم ما عليه الناس وردِّ ما ورد من النصوص بمثل هذه التأويلات مما يطيل تعجب الناظر المنصف اهـ .
فأما الدول الواقعة فيها فمنها جمهورية اليمن والمملكة والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان .
وبعد الفراغ من بيان الجزيرة العربية وموقعها وحدودها وأهميتها والدول الواقعة فيها نتكلم على حكم إقامة اليهود والنصارى والمشركين فيها .
حكم إقامة اليهود والنصارى والمشركين في الجزيرة العربية
لقد اتفق من يعتد بقوله من فقهاء الأمة وعلمائها على أنها لا تجوز إقامة اليهود والنصارى والمشركين في جزيرة العرب لا إقامة دائمة ولا مؤقتة ما عدا أن بعض العلماء يرى جواز إقامتهم ثلاثة ايام للضرورة ، ولا يجوز لمسلم أن يأذن لهم في دخولها للإقامة . معتمدين على الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار الثابتة عن الصحابة رضوان الله عليهم . فمن تلك النصوص: