فهرس الكتاب
والخلاصة أن كل فرد من أفراد البشر محتاج لخدمة غيره ، وغيره محتاج لخدمته وإن لم يشعر بذلك:
الناس للناس من بدو وحاضرة ** بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ
ولما كان التعاون بين الناس بهذه المنزلة من الأهمية أمر به الإسلام ورغب فيه وحث عليه قال تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان . . . . } ، وامتن سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين بأن جعلهم أمة واحدة متحدين متعاونين متناصرين بعد أن كانوا مختلفين ومتفرقين قال سبحانه وتعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا . . . } الآية . وقال سبحانه وتعالى ممتنًا على نبيه صلى الله عليه وسلم: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم } ، وقال عليه الصلاة والسلام:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"، وقال عليه الصلاة والسلام:"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"، ولماكانت الاستعانة تقتضي الحب والموالاة والركون إلى المستعان به رأيت أن أقدم نبذة مختصرة عن الولاء والبراء .
الولاء
تعريفه في اللغة: الولي فعيل بمعنى فاعل ومنه وَلِيَه إذا قام به ، ومنه قوله تعالى:
{ الله ولي الذين آمنوا } ويكون الولي بمعنى مفعول في حق المطيع ، فيقال: المؤمن ولي الله ووالاه موالاة وولاء: من باب"قاتل"أي تابعه .
وقال في لسان العرب ماخلاصته"الموالاة كما قال ابن الأعرابي أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح ، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه ووالى فلان فلانًا إذا أحبه"اهـ .
وهذه الكلمة المكونة من الواو واللام والياء يصاغ منها عدة أفعال مختلفة الصيغ والمعاني يأتي منها وَلِيَ وولّى وتولى ووالى واستولى ولكل من هذه الأفعال معنى يختلف عن الآخر عند الاستعمال .
أولًا: وَلِىَ: يطلق ويراد به القرب ، تقول وَلِىَ فلان فلانًا ، وفلان يلي فلانًا أي قريب منه ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"والولي القريب ، فيقال هذا يلي هذا أي يقرب منه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر". أي لأقرب رجل إلى الميت"اهـ . ويأتي ولي بمعنى الاستيلاء والملك فيقال ولي الأمر بعد سلفه إذا صار الأمر إليه .
ثانيًا: ولىَّ: يأتي لازمًا فيكون بمعنى ذهب كقوله صلى الله عليه وسلم في قصة ابن أم مكتوم حينما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته رخص له صلى الله عليه وسلم ، قال الراوي:"فلما ولىَّ - أي ذهب - ناداه ، قال: أتسمع النداء ؟ قال: نعم ، قال: فأجب". وفي لفظ قال:"لا أجد لك رخصة". ويأتي متعديًا فيقال ولَّى فلان فلانًا الأمر إذا أسنده إليه .
ثالثًا: تولىَّ: يأتي معدىً بحرف الجر"عن"فيكون بمعنى أعرض كقوله سبحانه وتعالى: { فتول عنهم فما أنت بملوم } . أي أعرض عنهم ويأتي متعديًا بنفسه فيكون بمعنى اتَّبَعَ ، يقال: تولاه أي اتبعه واتخذه وليًا كقوله تعالى: { ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ، ويأتي لازمًا كقوله تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم } .
رابعًا: والى: يقال والى فلان فلانًا إذا أحبه واتبعه ، والمولى: اسم يطلق على جماعة كثيرة فهو الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والناصر والمحب والجار وابن العم والتابع والصهر والحليف والعقيد والمنعم عليه والعبد والمعتق ، هذه المعاني تقوم على النصرة والمحبة .
خامسًا: استولى ، يقال استولى الجيش على بلد العدو إذا أخذوها عنوة .
منزلة الولاء والبراء في الإسلام
الولاء والبراء قاعدة من قواعد الدين وأصل من أصول الإيمان والعقيدة ، فلا يصح إيمان شخص بدونهما ، فيجب على المرء المسلم أن يوالي في الله ويحب في الله ويعادي في الله فيوالي أولياء الله ويحبهم
ويعادي أعداء الله ويتبرأ منهم ويبغضهم ، قال صلى الله عليه وسلم:"أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله".
قال ممليه عفا الله عنه: الناس بالنسبة للموالاة والمعاداة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من آمن بالله ورسوله ، وصدق بدينه وشرعه ، وامتثل لأوامره ، وتجنب معاصيه ، فهذا القسم أهله يستحقون الولاية الكاملة من جميع الوجوه .
القسم الثاني: من كفر بالله ورسوله ، ولم يؤمن بدينه وشرعه ، فهؤلاء يستحقون المعاداة الكاملة من جميع الوجوه .
القسم الثالث: الذين آمنوا بالله ورسوله ودينه وشرعه ، ولكن حصلت منهم بعض المخالفات من ارتكابه بعض المعاصي وترك بعض الواجبات فهؤلاء يوالون من جهة إيمانهم بالله ورسوله ويعادون من جهة تقصيرهم في الأوامر والنواهي .
ومما تقدم يتبين لك أيها القارىء أن الولاء يقوم على المحبة والنصرة والاتباع ، فمن أحب في الله وأبغض في الله ، ووالى في الله ، وعادى في الله ، فهو ولي الله .
قال ابن عباس رضي الله عنهما:"من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا".
أما من والى الكافرين واتخذهم أصدقاء وإخوانًا فهو مثلهم ، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ، ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين . فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } .
والقرآن العزيز مشتمل على كثير من الآيات التي تحذر من اتخاذ الكافرين أولياء كقوله سبحانه وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضو عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور . إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لايضركم كيدهم شيئًا إن الله بما يعملون محيط } .
قال ابن جرير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآيات الكريمة: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم { لا تتخذوا بطانة من دونكم } يقول: