فهرس الكتاب

الصفحة 1411 من 3028

لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم { من دونهم } من دون أهل دينكم وملتكم يعني من غير المؤمنين ، وإنما جعل"البطانة"مثلًا لخليل الرجل فشبهه بما وَلِىَ بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده ، وكثير من أقاربه محل ما وَلِىَ جَسَده من ثيابه ، فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاّء وأصفياء ثم عرفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة وبغيهم إياهم الغوائل فحذرهم بذلك منهم ومن مخالتهم فقال تعالى ذكره { لايألونكم خبالًا } يعني لا يستطيعونكم شرًا من ( ألوت آلُو ألوًا ) ، يقال ما ألا فلان كذا: أي ما استطاع كما قال الشاعر:

جهراء لا تألو إذا هي أظْهرتْ ** بَصَرًا ولا مِنْ عَيْلةٍ تغنيني

يعني: لا تستطيع عند الظهر إبصارًا ، وإنما يعني جل ذكره بقوله

{ لا يألونكم خبالًا } البطانة التي نهى المؤمنين عن اتخاذها من دونهم فقال: إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالًا أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال ، وأصل الخبْل والخبال الفساد ثم يستعمل في معان كثيرة يدل على ذلك الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصيب بخبْل أو جراح . وأما قوله: { ودوا ما عنتم } فإنه يعني ودوا عنتكم يقول: يتمنون لكم العنَت والشرَّ في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم ، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم ويصافونهم المودَّة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام فنهاهم الله عن ذلك ، وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم ، ثم استشهد رحمه الله على صحة تغير هذه الآيات بأحاديث وآثار كثيرة نكتفي منها بما رواه رحمه الله ، فقد روى بسنده عن ابن عباس قال ، كان رجال من المسلمين يواصلون رجالًا من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحِلْف في الجاهلية ، فأنزل الله عز وجل فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوُّف الفتنة عليهم منهم { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم - إلى قوله - وتؤمنون بالكتاب كله } "اهـ ."

قال ممليه عفا الله عنه: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة معان جليلة منها:

أولًا: نهيه سبحانه وتعالى وتحذيره لعباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين بطانة أي أولياء وأصدقاء .

ثانيًا: بين سبحانه وتعالى الأسباب المقتضية للنهي عن موالاة الكافرين والتحذير من مودتهم والركون إليهم ، من هذه الأسباب: أنهم لا يألون خبالًا في إعنات المؤمنين وإيذائهم بكل ما يستطيعونه من الأذى، ومنها: أنهم أعداء للمؤمنين عِداءًا مستحكمًا بحيث تظهر البغضاءُ والكراهيةُ على ألسنتهم وما يخفونه من العداء والبغضاء في صدورهم أكبر مما يبدو على ألسنتهم ، ومنها: أنهم لايحبون المؤمنين ولايؤمنون

بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إلا ظاهرًا أما في الباطن فإنهم يكفرون بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضُّو عليكم الأنامل من

الغيظ . ومنها: أن ما يصيب المؤمنين من خير يسؤهم وما يصيب المؤمنين من شر فإنهم يفرحون به ويسرهم ، وقال سبحانه وتعالى مبينًا الموالاة الحقيقية: { إنما وليُّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتولّ الله ورسولَه والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } . بعد أن نهى سبحانه وتعالى عن موالاة اليهود والنصارى وبين أن من اتخذهم أولياء فهو منهم حصر الولاية الصحيحة بموالاة الله ورسوله والمؤمنين بإنما التي هي أبلغ طرق الحصر بعد الحصر بالنفي والاستثناء حيث تقرر في علم المعاني أن أبلغ طرق القصر هي النفي والاستثناء كقولك:"لا إله إلا الله"ويليها في البلاغة الحصر بإنما ، كما تضمنت هذه الآية الكريمة أن النصر والغلبة والتأييد يحصل بتولي الله ورسوله والمؤمنين فقط { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } .

قال ابن جرير رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية:"يعني تعالى ذكره بقوله: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } ، أنه ليس لكم أيها المؤمنون ناصر إلا الله ورسوله والمؤمنون الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرأوا من وَلايتهم ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء فليسوا لكم أولياء ولا نُصَراء بل بعضهم أولياء بعض ولا تتخذوا منهم وليًا ولا نصيرًا اهـ ."

وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره:"عند قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا . . . الآية } وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي يتخذونها هزوًا يستهزئون بها ، ولعبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد وفكرهم الفاسد اهـ ."

وقال أيضًا ابن كثير رحمه الله عند تفسيره تعالى: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا . . . } الآية ، قال: وما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مره وسموه وسحروه وألّبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة اهـ .

ثم ذكر رواية الحافظ أبو بكر ابن مردويه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما خلا يهودي بمسلم قط إلا هم بقتله".

وصدق رحمه الله فيما ذكره من صفات اليهود من أنهم أشد الناس عداءًا للرسل والأديان وخصوصًا عدائهم لنبينا صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الكريم ، استدل على ذلك بعشرات الآيات التي تذم اليهود وتبين مكرهم وغدرهم بالرسل واتباعهم ، وقد اطلعت على كلام لبعض العلماء ذكره عنهم ابن النقاش في كتابه"المذمَّة في استعمال أهل الذمة"تضمن بيان بعض صفات اليهود والنصارى الذميمة التي جاءت في القرآن فأحببت ذكره للقارىء على ما فيه من طول لجودته وكثرة فوائده فقال رحمه الله:"ومعلوم أن اليهود والنصارى موسومون بغضب الله ولعنته ، والشرك به ، والجحد لوحدانيته ، وقد فرض الله على عباده في جميع صلواتهم أن يسألوا هداية سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وتجنبهم سبيل الذين أبعدهم من رحمته وطردهم من جنته فباءوا بغضبه ولعنته من المغضوب عليهم والضالين ، فالأمة الغضبية هم اليهود بنص القرآن ، وأمة الضلال هم النصارى المثلثة عباد الصلبان ، وقد أخبر تعالى عن اليهود بأنهم بالذلة والمسكنة والغضب موسومون فقال تعالى: { ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلاّ بحبل من الله وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ، وأخبر سبحانه بأنهم باؤوا بغضب على غضب وذلك جزاء المفترين ، فقال سبحانه:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت