فهرس الكتاب

الصفحة 1412 من 3028

{ بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيًا أن ينزِّل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين } . وأخبر سبحانه أنه لعنهم ولا أصدق من الله قيلًا فقال سبحانه: { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولًا } ، وحكم سبحانه بينهم وبين المسلمين حكمًا ترتضيه العقول ويتلقاه كل منصف بالإذعان والقبول فقال سبحانه: { قل هل أنبئكم بشَّرٍ من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شرٌ مكانًا وأضل عن سواءَ السبيل } ، وأخبر سبحانه عما أحل بهم من العقوبة التي صاروا بها مثلًا في العالمين فقال تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون . فلما عتو عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردةً خاسئين } . ثم حكم عليهم حكمًا مشتملًا عليهم في الذراري والأعقاب على مر السنين والأحقاب فقال تعالى: { وإذ تأذّن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوءَ العذاب إن ربك لسريع العقاب } الآية ، فكان هذا العذاب في الدنيا بعض الاستحقاق { ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق } ، فهم أنجس الأمم قلوبًا ، وأخبثهم طويَّه وأرداهم سجية وأولاهم بالعذاب الأليم

{ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهِّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } ، فهم أمة الخيانة لله ورسوله ودينه وكتابه وعباده المؤمنين فقال سبحانه: { ولا تزال تطَّلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم فاعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين } ، وأخبر عن سوء ما يصنعون ويقولون وخبث ما يأكلون ويحكمون فقال تعالى وهو أصدق القائلين: { سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } ، وأخبر تعالى أنه لعنهم على ألسنة أنبيائه ورسله بما كانوا يكسبون فقال سبحانه:

{ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون . ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون } ، وقطع الموالاة بين اليهود والنصارى وبين المؤمنين وأخبر أن من تولاهم فإنه منهم في حكمه المبين فقال تعالى وهو أصدق القائلين: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ، وأخبر عن حال متوليهم بما في قلبه من المرض المؤدي إلى فساد العقل والدين بقوله:

{ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } ، ثم أخبر عن حبوط أعمال متوليهم

ليكون المؤمن لذلك من الحذرين فقال: { ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } ، ونهى المؤمنين عن اتخاذ أعدائه أولياء وقد كفروا بالحق الذي جاءهم من ربهم وأنهم لا يمنعون من سوء ينالونهم به بأيديهم أو ألسنتهم إذا قدروا عليه فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق } - إلى قوله - { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون } وجعل سبحانه لعباده المسلمين أسوة حسنة في إمام الحنفاء ومن معه من المؤمنين إذا تبرأوا مما ليس على دينهم امتثالًا لأمر الله وإيثار مرضاته وما عنده فقال تعالى:

{ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده } ، وتبرأ سبحانه ممن اتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين فقال تعالى وهو أصدق القائلين:

{ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } ، فمن ضروب الطاعات أهانتهم في الدنيا قبل الآخرة التي هم إليها صائرون ، ومن حقوق الله الواجبة: أخذ جزية رؤوسهم التي يعطونها عن يد وهم صاغرون . ومن الأحكام الدينية: أن تعم جميع الذمة إلا من لا تجب عليه باستخراجها وأن يعتمد في ذلك سلوك سبيل السنة المحمدية ومناهجها وألا يسامح بها أحد منهم ولو كان في قومه عظيمًا وألا يقبل إرساله بها ولو كان فيهم زعيمًا وألا يحيل بها على أحد من المسلمين ولا يوكل من إخراجها عنه أحدًا من الموحدين بل تؤخذ منه على وجه الذلة والصغار إعزازًا للإسلام وأهله وإذلالًا لطائفة الكفار وأن تستوفى من جميعهم حق الاستيفاء وأهل خيبر وغيرهم في ذلك على السواء ، وأما ما ادعاه الجبابرة من وضع الجزية عنهم بعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك زور وبهتان وكذب ظاهر يعرفه أهل العلم والإيمان لفَّقَه القوم البهت وزوّروه وضعوه من تلقاء أنفسهم وتمموه وظنوا أن ذلك يخفى على الناقدين أو يروج على علماء المسلمين ويأبى الله إلا أن يكشف محال المبطلين وإفك المفترين وقد تظاهرت السنن وصح الخبر بأن خيبر فتحت عنوة وأوجف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون الخيل والركاب فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على إجلائهم عنها كما أجلى إخوانيهم من أهل الكتاب ، فلما ذكروا أنهم أعرف بسقي نخلها ومصالح أرضها أقرهم فيها كالأُجَرَاء وجعل لهم نصف الأبضاع وكان ذلك شرطًا مبنيًا وقال:"نقركم فيها ما شئنا"، فأقر بذلك الجبابرة صاغرين وأقاموا على هذا الشرط في الأرض عاملين ولم يكن للقوم من الذمام والحرمة ما يوجب إسقاط الجزية عنهم دون من عداهم من أهل الذمة كيف وفي الكتاب المشحون بالكذب والمين شهادة سعد بن معاذ وكان قد توفى قبل ذلك بأكثر من سنتين وشهادة معاوية ابن أبي سفيان وإنما أسلم عام الفتح بعد خيبر سنة ثمان وفي الكتاب المكذوب أنه أسقط عنهم الكُلَفْ والسُخَر ، ولم يكن على زمانه صلى الله عليه وسلم في شيء من ذلك ولا على زمان خلفائه الذين ساروا في الناس أحسن السير . ولما اتسعت رقعة الإسلام ودخل فيه الخاص والعام وكان في المسلمين من يقوم بعمل الأرض وسقى النخل أجلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه اليهود من خيبر بل من جزيرة العرب ممتثلًا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب". وقال:"لئن بقيت لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا".

البراء

تعريفه في اللغة: مصدر بَرَى بمعنى قطع ومنه برى القلم بمعنى قطعه والمراد هنا: قطع الصلة مع الكفار فلا يحبهم ولا يناصرهم ولا يقيم في ديارهم .

وقال ابن الأعرابي: بري إذا تخلص وبرىء إذا تنزه وتباعد وبرىء إذا أعذر وأنذر ومنه قوله تعالى: { برآءة من الله ورسوله } . أي إعذار وإنذار . والبرىء والبراء بمعنى واحد إلا أن البراء أبلغ من البرىء .

والبراء في الاصطلاح: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت