فهرس الكتاب

الصفحة 1413 من 3028

يقال برىء وتبرأ من الكفار إذا قطع الصلة بينه وبينهم فلا يواليهم ولا يحبهم ولا يركن إليهم ولا يطلب النصرة منهم .

مكانة البراء في العقيدة الإسلامية

إن من الأسس التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية البعد عن الكفار ومعاداتهم وقطع الصلة بهم فلا يصح إيمان المرء حتى يوالي أولياء الله ويعادي أعداءَه ويتبرء منهم ولو كانوا أقرب قريب . قال سبحانه وتعالى: { لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألاَ إن حزب الله هم المفلحون } ، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة أنه لا يتحقق الإيمان إلا لمن تباعد عن الكفار المحادين لله ورسوله وبرىء منهم وعاداهم ولو كانوا أقرب قريب وقد أثنى سبحانه وتعالى على خليله إبراهيم حينما تبرأ من أبيه وقومه ومعبوداتهم حيث قال: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه لعلهم يرجعون } وقد نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء فقال: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل . إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير قد كانت لكم أسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدًا } .

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية قال: يعني المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } الآية ، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } ، وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لاتتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا } ، وقال تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىءٍ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه } ، ولهذا قَبِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عذرَ حاطب ، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد ، ثم قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: { يخرجون الرسول وإياكم } ، هذا مع ما قبله من التهيج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ولهذا قال تعالى: { أن تؤمنوا بالله ربكم } أي لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كقوله تعالى: { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } ، وكقوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله } . وقوله تعالى: { إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي } أي إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقًا عليكم وسخطًا لدينكم وقوله تعالى: { تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } أي تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر { ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءً ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء } أي لو قدروا عليكم لما أبقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعل { وودوا لو تكفرون } أي ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا ، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهره فكيف توالون مثل هؤلاء ؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا وقوله تعالى: { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير } ، أي قرابتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما أسخط الله ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء .

ثم قال رحمه الله تعالى: يقول تعالى لعباده المؤمنين الذي أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه } ، أي وأتباعه الذين آمنوا معه { إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم } أي تبرأنا منكم { ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم } أي بدينكم وطريقكم وبدا

بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم ما دمتم على كفركم فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم { حتى تؤمنوا بالله وحده } . أي إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتدعوا ما تعبدوه معه من الأوثان والأنداد"اهـ ."

ويحسن أن نختم بحث الولاء والبراء بأبيات قالها الشيخ سليمان ابن سحمان حيث قال رحمه الله: عفاءً فأضحتْ طامساتِ المعالمعليها السوافي من جميع الأقالمكذاك البَراء من كل غاوٍ وآثم بدين النبي الأبطحي ابن هاشم به الملة السمحاء إحدى القواصمإلى الله في محو الذنوب العظائموران عليها كسب تلك المآثم بأوضار أهل الشرك من كل ظالمونهرع في إكرامهم بالولائميقيم بدار الكفر غيرُ مصارم مسالمة العاصين من كل آثم وملة إبراهيم غُودر نهجهاوقد عدمت فينا وكيف وقد سفتوماالدين إلا الحب والبغض والولاوليس لها من سالك متمسك فلسنا نرى ما حل بالدين وانمحتْفنأسى على التقصير منّا ونلتجيفنشكوا إلى الله القلوب التي قستألسنا إذا ما جاءنا متضمخ نهش إليهم بالتحية والثناوقد برء المعصوم من كل مسلم ولكنما العقل المعيشي عندنا

حكم الاستعانة بالكفار

بعد أن بينا حكم الولاء والبراء ومكانتهما في عقيدة المسلم نبدأ ببيان حكم الاستعانة بالكفار .

الاستعانة يختلف حكمها باختلاف حالاتها بالنسبة للمستعان بهم والمستعان عليهم ونوع الاستعانة ، فالاستعانة بالكفار تارة يكون المستعان به دولة كافرة ، وتارة يكونون أفراد ، وتارة تكون الاستعانة بهم في الحرب والقتال ، وتارة تكون بالسلاح والمال والمستعان عليهم تارة يكونون دولة كافرة ، وتارة تكون دولة مسلمة ، وتارة تكون طائفة مسلمة كأهل البغي ، ويختلف حكم الاستعانة بالكفار حسب هذه التقسيمات .

أولًا: استعانة المسلمين بالدولة الكافرة على دولة كافرة .

اتفق جمهور فقهاء الأمة وعلمائها على تحريم هذا النوع تحريمًا عامًا لا يستثنى منه شيء واستدل أصحاب هذا المذهب بأمور منها:

أولًا: الكتاب العزيز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت