فهرس الكتاب
قال ممليه عفا الله عنه: والعجب ممن ذهب من العلماء إلى جواز الاستعانة بالكفار معتمدًا في ذلك على هذه الآثار والمراسيل الضعيفة والمضطربة ويعرض عن ما خُرِّج في صحيح مسلم والسنن ومسند الإمام أحمد وغيره من رفضه صلى الله عليه وسلمالاستعانة بالمشركين ، إننا إذا سلكنا طريق الترجيح وجدنا أن حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم في صحيحه وما وافقه من آثار أخرى أرجح يقينًا من تلك المراسيل المضطربة السند والمتن كما أسلفنا .
قال ابن عبدالبر:"وأما شهود صفوان بن أمية مع رسول الله حنينًا والطائف وهو كافر فإن مالكًا قال لم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال مالك: ولا أرى أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين إلا أن يكونوا خدمًا أو نوتيه ."
وقد ناقش الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن أدلة القائلين بالجواز فتكلم على مرسل الزهري وبين عدم صحة دلالته على المسألة فقال رحمه الله ما نصه:"أما مسألة الاستنصار بهم فمسئلة خلافية والصحيح الذي عليه المحققون منع ذلك مطلقًا وحجتهم حديث عائشة وهو متفق عليه ، وحديث عبدالرحمن بن حبيب وهو حديث صحيح مرفوع اطلبهما تجدهما فيما عندك من النصوص والقائل بالجواز احتج بمرسل الزهري وقد عرفت ما في المراسيل إذا عارضت كتابًا أو سنة ثم القائل به قد شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين ونفع لهم ، وهذه القضية فيها هلاكهم ودمارهم ، وشَرَطَ أيضًا أن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها ، وهذا مبطل لقوله في هذه القضية واشترط كذلك ألا يكون له دخل في رأي ولا مشورة بخلاف ما هنا كل هذا ذكره الفقهاء وشراح الحديث ونقله في شرح المنتقى وضعف مرسل الزهري جدًا وكل هذا في قتال المشرك للمشرك مع أهل الإسلام ."
قال أيضًا ما نصه:"الشبهة التي تمسَّك بها من قال بجواز الاستعانة هي ما ذكرها بعض الفقهاء من جواز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة وهو قول ضعيف مردود مبني على آثار مرسلة تردها النصوص القرآنية ، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية ، ثم القول بها على ضعفها مشروط بشروط نبه عليها شراح الحديث ونقل الشوكاني منها طرفًا في المنتقى ، منها: أمن الضرر والمفسدة وألا يكون لهم شوكة وصولة وأن لا يدخلوا في الرأي والمشورة وأيضًا ففرضها في الانتصار بالمشرك على المشرك ، وأما الانتصار بالمشرك على الباغي عند الضرورة فهو قول فاسد لا أثر فيه ولا دليل عليه إلا أن يكون محض القياس وبطلانه أظهر شيء في الفرق بين الأصل والفرع وعدم الاجتماع في مناط الحكم"اهـ .
قال ممليه عفا الله عنه: والضرورة التي ترد في بعض كلام الفقهاء المجيزين الاستعانة بالكافر هي الضرورة التي تتعلق بالدين ومصلحة الإسلام والمسلمين . أما الضرورة التي تتعلق بحكم الحاكم وحماية كرسيه وسلطته فإنها لا تبيح الاستعانة بالكفار حتى عند القائلين بجواز الاستعانة بهم للضرورة .
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعليقًا على كلمة الضرورة التي جاءت في كلام الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن:"غلط صاحب الرسالة - يقصد بصاحب الرسالة من رد عليه الشيخ عبداللطيف - في معرفة الضرورة فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر من رياسته وسلطانه وليس الأمر كما زعم ظنه بل هي ضرورة الدين وحاجته إلى من يعين عليه وتصلح به مصلحته كما صرح به من قال بالجواز وقد تقدم ما فيه والله أعلم"اهـ .
ومن الأئمة الكبار الذين ذهبوا إلى عدم جواز الاستعانة بالكفار في جميع الأحوال الشيخ ابن مفلح في الآداب الشرعية حيث ذكر كلامًا طويلًا في هذا الباب ضمنه مقتطفات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم حيث قال: فصل في الاستعانة بأهل الذمة . قال بعض أصحابنا: ويكره أن يستعين مسلم بذمي في شيء من أمور المسلمين مثل كتابة وعمالة وجباية خراج وقسمة فيء وغنيمة وحفظ ذلك ونقله إلا ضرورة قال في الرعاية الكبرى ولايكون بوابًا ولا جلادًا ونحوها . وعن أبي موسى الأشعري أنه اتخذ كاتبًا نصرانيًا فانتهره عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وعن عمر أيضًا أنه قال: لا ترفعوهم إذ وضعهم الله ، ولاتعزوهم إذ أذلهم الله . ولأن في الاستعانة بهم في ذلك من المفسدة ما لا يخفى وهي ما يلزم عادة أو ما يفضى إليه من تصديرهم في المجالس ، والقيام لهم وجلوسهم فوق المسلمين وابتدائهم بالسلام أو ما في معناه ورده عليهم على غير الوجه الشرعي وأكلهم من أموال المسلمين ما أمكنهم لخيانتهم واعتقادهم حلها وغير ذلك . ولأنه إذا منع من الاستعانة بهم في الجهاد مع حسن رأيهم في المسلمين والأمن منهم وقوة المسلمين على المجموع لاسيما مع الحاجة إليهم على قول فهذا في معناه وأولى للزومه وإفضائه إلى ما تقدم من المحرمات بخلاف هذا ، وبهذا يظهر التحريم هنا وإن لم تحرم الاستعانة بهم على القتال ، وقد نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا الكفار بطانة لهم فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } . وبطانة الرجل تشبيهه ببطانة الثوب الذي يلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون عليه بخلاف غيرهم ، وقوله { من دونكم } أي من غير أهل ملتكم . ثم قال تعالى: { لا يألونكم خبالًا } . أي لا يبقون غاية في إلقائكم فيما يضركم والخبال الشر والفساد ، { ودوا ما عنتم } . أي يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك ، والعنت المشقة يقال فلان يُعنِتُ فلانًا أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه . { قد بدت البغضاء من أفواههم } . قيل بالشتم والوقيعة في المسلمين ومخالفة دينكم ، وقيل باطلاع المشركين على أسرار المسلمين . { وما تخفي صدورهم أكبر } أي أعظم ، { قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } .
قال القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب ، وقد جعل الشيخ موفق الدين رحمه الله هذه المسألة أصلًا في اشتراط الإسلام في عامل الزكاة فدل على أنها محل وفاق .
وقال الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب وقد سأله يستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج ؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء . فانظر إلى هذا العموم من الإمام أحمد نظرًا منه إلى ردىء المفاسد الحاصلة بذلك وإعدامها وهي وإن لم تكن لازمة من ولايتهم ولا ريب في لزومها فلا ريب في إفضائها إلى ذلك ، ومن مذهبه اعتبار الوسائل والذرائع وتحصيلًا للمأمور به شرعًا من إذلالهم وإهانتهم والتضييق عليهم وإذا أمر الشارع عليه الصلاة والسلام بالتضييق عليهم في الطريق المشتركة فما نحن فيه أولى هذا مما لا إشكال فيه ، ولأن هذه ولايات بلاشك ، ولهذا لايصح تفويضها مع الفسق والخيانة ، والكافر ليس من أهلها بدليل سائر الولايات وهذا في غاية الوضوح ، ولأنها إذا لم يصح تفويضها إلى فاسق فإلى كافر أولي بلا نزاع ولهذا قد نقول يصح تفويضها إلى فاسق إما مطلقًا أو مع ضم أمين إليه يشارفه كما نقول في الوصية ولأنه إذا لم تصح وصية المسلم إلى كافر في النظر في أمر أطفاله أو تفريق ثلثه مع أن الوصي المسلم المكلف العدل يحتاط لنفسه وماله وهي مصلحة خاصة يقل حصول الضرر فيها فمسألتنا أولى هذا مما لا يحتاج فيه إلى تأويل ونظر والله أعلم . وقال تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا } .