فهرس الكتاب
وهذا من أعظم السبيل استدل الشيخ وجيه الدين وغيره من الأصحاب بهذه الآية على أنه لايجوز أن يكون عاملًا في الزكاة وقد قال أصحابنا في كاتب الحاكم لايجوز أن يكون كافرًا واستدلوا بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة } . وبقضية عمر على أبي موسى .
وقال الشيخ تقي الدين في أول الصراط المستقيم في أثناء كلام له: ولهذا كان السلف يستدلون بهذه الآية على ترك الاستعانة بهم في الولايات فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى قال قلت لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبًا نصرانيًا قال مالك قاتلك الله أما سمعت الله يقول: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } . ألا اتخذت حنيفيًا ؟ قال قلت يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه ، قال لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله . انتهى كلامه . ورواه البيهقي وعنده فانتهرني وضرب على فخذي وعنده أيضًا فقال أبو موسى والله ما توليته إنما كان يكتب . فقال عمر له أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب ؟ لا تدنهم إذا أقصاهم الله ولا تأمنهم إذا أخانهم الله ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله .
وروى الإمام أحمد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تستعملوا اليهود والنصارى فإنهم يستحلون الرُّشاء في دينهم ولا تحل الرُّشاء .
وقال سعيد بن منصور في سننه ثنا هشيم عن العوام عن إبراهيم التيمي قال قال عمر لا ترفعوهم إذا وضعهم الله ولا تعزوهم إذ أذلهم الله يعني أهل الكتاب كلهم أئمة لكن إبراهيم لم يلق عمر ، وقطع الشيخ تقي الدين في موضع آخر بأنه يجب على ولي الأمر منعهم من الولايات في جميع أرض الإسلام ، وقال أيضًا الولاية إعزاز وأمانة وهم يستحقون للذل والخيانة ، والله يغني عنهم المسلمين ، فمن أعظم المصائب على الإسلام وأهله أن يجعلوا في دواوين المسلمين يهوديًا أو سامريًا أو نصرانيًا ، وقال أيضًا: لا يجوز استعمالهم على المسلمين فإنه يوجب من إعلائهم على المسلمين خلاف ما أمر الله ورسوله ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يُبدأوا بالسلام وأمر إذا لقيهم المسلمون أن يضطروهم إلى أضيق الطرق ، وقال الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، وقد منعوا من تعلية بنائهم على المسلمين فكيف إذا كانوا ولاة على المسلمين فيما يقبض منهم ويصرف إليهم وفيما يؤمرون به من الأمور المالية ويقبل خبرهم في ذلك فيكونون هم الآمرين الشاهدين عليهم ؟ هذا من أعظم ما يكون من مخالفة أمر الله ورسوله ، وقد قدم أبو موسى على عمر رضي الله عنهما بحساب العراق فقال إدع يقرؤه فقال إنه لايدخل المسجد فقال لم ؟ قال لأنه نصراني ، فضربه عمر بالداوة فلو اصابته لأوجعته وقال لا تعزوهم إذ أذلهم الله ولا تصدقوهم إذ كذبهم الله ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، وكتب إليه خالد بن الوليد إن بالشام كاتبًا نصرانيًا لا يقوم خراج الشام إلا به ، فكتب إليه لا تستعمله فأعاد عليه السؤال وإنا محتاجون إليه ، فكتب إليه مات النصراني والسلام ، يعني قَدِّر موته، فمن ترك لله شيئًا عوضه الله خيرًا منه ، إلى أن قال وقد يشيرون عليهم بالرأي التي يظنون أنها مصلحة ويكون فيها من فساد دينهم ودنياهم ما لا يعلمه إلا الله وهو يتدين بخذلان الجند وغشهم يرى أنهم ظالمون ، وأن الأرض مستحقة للنصارى ويتمنى أن يمتلكها النصارى .
وقال أيضًا: كان صلاح الدين وأهل بيته يذلون النصارى ولم يكونوا يستعملون منهم أحدًا ، ولهذا كانوا مؤيدين منصورين على الأعداء مع قلة المال والعدد ، وإنما قويت شوكة النصارى والتتار بعد موت العادل حتى قام بعض الملوك أعطاهم بعض مدائن المسلمين وحدثت حوادث بسبب التفريط فيما أمر الله به ورسوله فإن الله تعالى يقول: { ولينصرن الله من ينصره } . إلى أن قال: وهم إلى ما في بلاد المسلمين أحوج من المسلمين إلى ما في بلادهم بل مصلحة دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بما في بلاد المسلمين والمسلمون ولله الحمد مستغنون عنهم في دينهم ودنياهم ، ففي ذمة المسلمين من علماء النصارى ورهابنهم من يحتاج إليهم أولئك النصارى وليس عند النصارى مسلم يحتاج إليه المسلمون مع أن افتداء الأسراء من أعظم الواجبات وكل مسلم يعلم أنهم لا يتجرون إلى بلاد المسلمين إلا لأغراضهم لا لنفع المسلمين، ولو منعهم ملوكهم من ذلك لكان حرصهم على المال يمنعهم من الطاعة فإنهم ارغب الناس في المال ولهذا يتقامرون في الكنائس وهم طوائف كل طائفة تضاد الأخرى ولا يشير على ولي الأمر بما في إظهار شعارهم في دار الإسلام أو تقوية أيديهم بوجه من الوجوه إلا رجل منافق أو له غرض فاسد أو في غاية الجهل لايعرف السياسة الشرعية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه وأعداء الدين . وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل كيف مكنهم الله وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا من ذلك بما قاموا وليعتبر بسيرة من والي النصارى كيف أذله وكبته إلى أن قال: وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مشركًا لحقه ليقاتل معه فقال له:"إني لا استعين بمشرك"، وكما أن استخدام الجند المجاهدين إنما يصلح إذا كانوا مؤمنين فكذلك الذين يعاونون الجند في أموالهم وأعمالهم إلى أن قال: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } . وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } .
وذكر سبب نزولها ثم قال وقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين يكاتبون اهل دينهم بأخبار المسلمين وربما يطلعون على ذلك من أسرارهم وعوراتهم وغير ذلك وقد قيل:
كل العداوات قد ترجى مودتها** إلا عداوة من عاداك في الدين
انتهى كلامه .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا"رواه الإمام أحمد والنسائي وعبد ابن حميد وغيرهم ، ومعنى قوله:"ولا تستضيئوا بنار المشركين"أي لا تستشيروهم ولا تأخذوا آراءهم . جعل الضوء مِثْلا الرأي عند الحيرة هذا معنى قول الحسن رواه عبد بن حميد ، واحتج الحسن بقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم } . وكذا فسره غيره، وفسر الحسن:"ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا"أي لا تنقشوا فيها محمدًا وفسره غيره محمد رسول الله لأنه كان نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث عمر:"لا تنقشوا في خواتيمكم العربية"وعن ابن عمر أنه كان يكره أن ينقش في الخاتم القرآن .
وقال ابن عبد البر قال ابن القاسم سئل مالك عن النصراني يستكتب ؟ قال لا أرى ذلك ، وذلك أن الكاتب يستشار ، فيستشار النصراني في أمر المسلمين ؟ ما يعجبني أن يستكتب ، وذكر ابن عبدالبر أنه استأذن على المأمون بعض شيوخ الفقهاء فأذن له ، فلما دخل عليه رأى بين يديه رجلًا يهوديًا كاتبًا له عنده منزله وقربه لقيامه بما يصرفه فيه ويتولاه من خدمته فلما رآه الفقيه قال: وقد كان المأمون أومأ إليه بالجلوس ، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إنشاد بيت حضر قبل أن أجلس ؟ قال نعم ، فأنشده:
إن الذي شُرِّفتَ من أجله ** يزعم هذا أنه كاذب