فهرس الكتاب
وفي العالم الغربي (أوروبا والأمريكتين) بالرغم من ضخامة النفوذ الذي تفرضه الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية والإنفاق الضخم والمحاولات الجديدة في كسب الشباب بفتح أبواب الإغراء بحلبات الرقص وتقبل قوانين الإجهاض وإقرار الشذوذ الجنسي والعياذ بالله ورفع الحظر عن معتنقي الماسونية فإن ذلك كله يوحي بالكساد الشديد والانصراف الشديد حتى في مجال تربية أجيال جديدة من قادة الفكر الديني فإن النسبة المطروحة توحي بالانصراف الشديد عن هذا المجال، هذا بينما يكسب الإسلام مزيدًا من معتنقيه تحت تأثير قراءة النصوص الإسلامية أو الالتقاء بالدعاة المسلمين على ندرتهم في المراكز الإسلامية في بعض العواصم، بالإضافة إلى تلك الروح البارزة لإنصاف الإسلام ورسوله التي تكشف عنها الكتابات التلقائية التي لا يدرج أصحابها تحت قوائم الاستشراق والتبشير.
وفي مناطق مختلفة من الأمريكتين واستراليا بالإضافة إلى أوروبا نفسها نجد تجمعات جديدة تمثل أقليات صغيرة مسلمة تحاول أن تقيم مجتمعًا إسلاميًا خالصًا وسط هذا الركام الضخم من فساد الحضارة الغربية واضطراب المجتمعات الأوروبية.
وتجرى المحاولات لاستخلاص تصريحات من قادة المسلمين ترمي إلى القول بأنه لا فوارق حقيقية بين الإسلام والمسيحية أو الأديان الأخرى بهدف تثبيط همم الذين يزعمون الدخول في الإسلام بوصفه يمثل عقيدة التوحيد الصحيحة اليوم المحررة من الوثنية والتثنية والتعدد.
وفي الولايات المتحدة جاليات من الملونين الذين هم من الأفارقة في الأصل يمثلون تجمعًا إسلاميًا، ولكن هناك أعداد كثيرة من الأمريكيين أنفسهم أخذت تدخل في الإسلام حتى يقول مديرٍ إحدى المؤسسات الإسلامية في واشنطون:"إنه لا تطلع الشمس يومًا إلا على مسلم جديد"وإن هذا يحدث في كثير من بقاع القارة الأمريكية وتتزايد هذه الظاهرة حتى تمثل علامة جديدة يصفها الدكتور محمد عبد الرؤوف بقوله:
إنني أرى أن هناك قوة خفية تعمل على نشر الإسلام في هذه البلاد وهي قوة الله تبارك وتعالى وليس عملنا إلا من وراء إرادة الله وتقديره، حيث لا ينتشر الإسلام بين الأمريكيين السود فحسب بل بين العنصر المسيحي (أنجلو ساكسون) وقد وجد طريقه إلى ذوي النفوذ في البلاد.
وعندما تقرأ ما يكتبه أمثال الدكتور موريس بوكاي من مقارنات بين العهد القديم وبين القرآن من حيث (المصدر) حيث يكتشف"ربانية"القرآن و"بشرية العهد القديم"فإلي أي مدى تحدث هذه الآثار دويًا، فإذا أضيف إلى هذا ما تقدمه منظمات عدة في دراسات الكتب المقدسة، بالإضافة إلى ما كشفته مخطوطات كهف قمران وما تزال تكشفه الحفريات الأثرية مما يؤكد صدق نصوص القرآن الكريم وتزييف كثير من تلك المسميات الكاذبة التي تقوم عليها دراسات التاريخ القديم من حيث تجاهل (الحنيفية الإيراهيمية) ودورها في بناء ذلك التكوين الروحي الذي عرفته هذه المنطقة ممتدًا من إبراهيم عليه السلام في أبنائه وفي إسماعيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
"ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا".
وما يتصل بهذه الرسالة من حقائق تتمثل في جماع الإيجابيات التي نراها في الجاهلية وفي فساد التفسيرات التي صرفتها اليهودية والمسيحية مما كشف القرآن زيفها مما غيره أهل الكتاب من وجهة الدين ومن إنكار الارتباط بالنبوة الخاتمة وما تزال هذه الحقائق تنكشف وما تزال قوى التزييف تحول بين الناس وبينها"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره".
وفي الوقت الذي تتعدد فيه الجاليات الإسلامية في كل مكان في العالم وفي أوروبا وفي آسيا لم يترك النفوذ الأجنبي هذا النشاط يزدهر وعلى هذا الأساس دعم الإنجليز الحركة الأحمدية (القاديانية) في الهند وغذوها بالأموال لإيجاد بلبلة في صفوف الأمة الإسلامية، وبنى في إنجلترا مسجد للأحمدية (أو القاديانية) ليكون مركز انطلاق لهم في إنجلترا أو أوروبا. كما ساعدت إنجلترا على طبع كتب الأحمدية المضللة وخصوصًا باللغة الإنجليزية، وقد توسعت الأحمدية في قلب أفريقيا ولكنها ما تزال مرفوضة لما تخالف من مفهوم السنة الجامعة، وقد فضح أهدافها وعمالتها للاستعمار العلامة المودودي والسيد الندوي ورابطة العالم الإسلامي وغيرها من الهيئات الإسلامية وقد توسعت في عديد من البلدان الأوروبية، وتزاحم الغربيون في كل مكان أمام الأعياد الإسلامية ليحضروا ويشاهدوا شعائر الصلاة الإسلامية من قيام وركوع وسجود وتقاطروا على سماع خطبة العيد مما لفت أنظارهم فسعوا إلى الاتصال بالمراكز الإسلامية والحصول على المؤلفات الشارحة للعقيدة الإسلامية، ولاشك أنها ملأت نفوس هذه الجماعات وخاصة شباب المدارس والجامعات شدتهم إلى الإسلام لبساطة عقيدته وسلامة مبادئه وسماحته واقترابه من الفطرة وعطائه وتكامله مع أشواق النفس الإنسانية، وحيث يدعو إلى الرحمة والعدل والإخاء والتوحيد، فقد شد إليه الزنوج الأمريكيين الذين عانوا من العسف والظلم والاسترقاق على أيدي الأمريكيين البيض.
ويعاني المسلمون معاناة شديدة في مناطق كثيرة من العالم.
وأقسى ما يواجهون ما يلقونه في المناطق الواقعة تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية، وهناك ما يلقاه المسلمون في مناطق كثيرة من أفريقيا إزاء الحملات التبشيرية النصرانية حيث تتركز البعثات التبشيرية في نيجيريا والكاميرون وجنوب السنغال وكينيا وحيث تندفع القبائل الوثنية إلى الإسلام وتدخل القبائل الزنجية في دين الله أفواجًا وحيث تقف الدعوة الإسلامية بقوتها الذاتية في مواجهة الإمكانيات الضخمة المتاحة لرجال الإرساليات وحيث الكنائس والأديرة والمعابد مقامة في أنحاء كثيرة من البلاد في المدن والقرى.
وقد شهد الذين قاموا بنشر الدعوة الإسلامية بين الوثنيين بما يلقونه من ترحيب كبير وخاصة في المديريات الجنوبية الثلاث: أعالي النيل والاستوائية وبحر الغزال حيث الاتصال بالمواطنين البدائيين والضاربين في منابت الأحراش والغابات ومواطن الحشائش والمستنقعات، يقول أحدهم:"اقتنعنا بأن العمل في هذا الميدان سهل ميسور وأن ما يبذله المبشرون المسيحيون من جهود، لو بذل المسلمون عشر معشاره لأثمرت جهودهم أضعاف ما تثمر جهود المبشرين"بل إن الإسلام قد اقتحم مناطق جنوب أفريقيا: (جوهانسبرج، ديريين، ايست لندن، كيب تاون) حيث قامت مجتمعات صغيرة من المسلمين ولكنها متماسكة، فهم يجمعون الزكاة ويوزعونها على مستحقيها وينشئون المدارس الإسلامية والمساجد ويطبعون الصحف والمجلات الإسلامية والمساجد هي مركز نشاط المسلمين الاجتماعي، وكلما استولت الحكومة على منطقتهم، رحلوا إلى أرض أخرى وأقاموا مساجدهم ومساكنهم. ويتساءل بعض الذين زاروا تلك المناطق:"لماذا تتجه جميع بيوت المسلمين في جنوب أفريقيا نحو القبلة"رغم الصراع الحقيقي الذي يخوضونه مع جهاز البلدية عند تخطيط البناء. فالمسلم هنا لا ينام إلا في اتجاه القبلة ويقيم في داره ثلاث حنفيات للوضوء، وغرفة للمصاحف، ومكان للصلاة، والنساء المسلمات يخرجن محجبات ويعمل الجميع في تكامل رائع، والأطفال يحفظون القرآن ويحسنون تلاوته وتجويده، ويقبل الوثنيون في جنوب أفريقيا على اعتناق الإسلام اقتناعًا بأنه الدين الذي أوجب المساواة وذوب الفوارق بين الناس ولم يعترف بأي امتياز أو فضل أو تفوق مصدره اللون أو العرق أو المال.