فهرس الكتاب

الصفحة 1426 من 3028

إنّ أكبر حدثٍ شهده العالم منذ القرن السابع عشر هو قضيّة الاستعمار؛ حيث بدأت القوات والدول الأوروبية تسيطر على الدول الضعيفة في القارة الآسيوية والإفريقية عن طريق الاستعمار والاستيطان الذي يهدف إلى مَحْوِ شخصية وهويّة الشعب الأصلي في دولة . وفي الحقيقة لم يكن الاستعمار إلا بقيّة من بقايا عناصر الحروب الصليبية التي شنَّتْ هجمات شعواء ضدّ المسلمين ببلاد الشرف ، والتي وضعتْ أوزارها عام 1291. وكانت الهزيمة التي لحِقَتْهم في تلك الحروب جَعلَتْهم يفكّرون بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ في تنفيذ خُطةٍ أخرى ذات الأثر البالغ في تَهْمِيشِ المسلمين العرب ، يدلُّ عليه ما قاله الملك لُويس التاسع ، قائد الحروب الصليبية: Mإن قُواتنا وأسلحتنا لاتُفيد شيئًا في هجومنا على المسلمين، وأقلُّ ما يجب علينا هو أن نردّهم القَهْقَرَى من عقيدتهم التي هي كلُّ قُوتِهم ومَصْدَرُ ثِقَتِهِمْL ولم يكن عام 1291 خِتامًا لتلك الحروب ، بل بَقِي لديهم الكَثِيرُ والمُثِيرُ في جُعْبَتِهم؛ ولكن المجتمع الإسلامي لم يَفْطَنْ إليهم إلا في عام 1917؛ حيث هاجم القائد الإنجليزي (Lamby) بقواته على القدس، وصاح قائلًا: الآن اِنْتَهَتْ الحرُوبُ الصَّليبيّة .

وما احتلال MنابليونL إلا مرحلةُ نُضوج الاستعمار، تَمَّ فيها حَصَادُ ما بذروا من قبلُ. وبالتالي قَسَّمُوا البلاد الشرقية بين بريطانيا وفرنسا، وذلك بِمُوجَبِ مَيثَاق (سَاكْسْ بَاكُو) ؛ حيث صارت مصر والسودان والعراق وفلسطين وإيران ونيجيريا في قبضة بريطانيا ، كما سَيْطَر الفرنسُ على سوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا والسينغال وإفريقيا الشمالية. وصارت هذه البلاد تَرْزَخُ في بَرَاثِنِ الاستعمار الغاشم ، اِسْتَغَلَّ رجالُهم فَقْرَ أهل الشرق وجهلَهم وضَعْفَ الوعي السياسي لديهم ليَتَخِذُوا من ذلك مَدْخَلًا للقيام بعمليّة الغَزْو الفكري والثقافي الذي هو أدْهَى وأَمَرُّ من القنابل النَوويّة .

وأهدافُ الاستعمار في العصر الحاضر لاتختلف كثيرًا عن أهدافهم في الماضي الغَابِرِ. وهُمْ لا يأتون لعملٍ خيريٍّ ؛ بل لهم أعمال من دون ذلك هُمْ لها عاملون . هذا ما فعله MنابليونL يَوْمَ دخل مِصْر، وما كان فعله - ولايزال يفعله - بُوشْ يوم هَدَم العِرَاق .

وقد نجح الاستعمار إلى حد كبير في تحريف مفهوم المُصْطَلَحات الأدبيّة . وعلى سبيل المثال: الحَدَاثَةُ التي طالما نسمع في المجال الأدبي والتي يَنْشُدها الكتاب والشعراء لِتَجِدَ أعمالُهم الأدبيةُ المزيدَ مِن القبول والرواج . والحداثَةُ في الحقيقة ليست إلاّ النظر إلى تجارب الحياة برؤية إِبْدَاعيّه هادفة مُسْتَقِلّة ، بهدف تطوّر الفكر وغرس النزعات الفعّالة لبناء القِيَم والسلوك ؛ ولكن المفهوم الاستعماري الغَرْبي للحداثة يَنْطلِقُ أصْلًا من القطيعة من الماضي وتُراثه العتيق العريق ، زعمًا منهم أنه أساطير وخُرفات كما يرونها ثَوْرةً على القِيَم وإشاعةً لروح التفسخ والخلاعة .

كما أغاروا باسم الحداثة على اللغة العربية بذاتها. وهي - كما نعلم - اللغة الوحيدة التي احتفظت بتراث أربعة عشر قرنًا ، بدون أن يصيب أصالتها وهويّتها شيء . إلا أن مذهبًا في نهاية القرن الثامن عشر قام بدعوة إلى نشر اللغة العربية العامّية. وأول من تولّى كبرها (William Spita) صاحب كتاب Mقواعد العربية العاميّة في مصرL كما طعن السيد William Cocks في كيان اللغة العربية قائلًا: إن سبب تقهقر المصريين هو عدم قدرتهم للتعبير الأفصح. وقد عرف منهم العالم العربي مخبوء ضميرهم ؛ حيث قال قائلهم: Mالفصحى لغةُ أجيالٍ مضى عهدُهاL . وغرضهم الأثيم من وراء الستار واضح: هو إيجاد الفرصة للتدخل في لغة القرآن والحطّ من شأنها وتحويلها إلى مستوى العامية حتى يبدأ الناس يتشككون في صحة لغته .

وبفضل الوعي الاجتماعي الذي ساد أهلَ الشرق في أوائل القرن الماضي وبمقاومتهم المستمرة، أستقلت تلك البلاد من قبضتهم ، إلا أن فلول تلك القوات نجحوا تمامًا في تنفيذ خطتهم الاقتصادية بين قاطني الشرق ؛ حيث نرى أسواق الدول العربية مائجة بالمنتجات الغربية ، وما من مؤسسة تجارية في الغرب إلا وهي تغزو بمنتجاتها أسواقَ الدول العربية سعيًا وراء الاستقرار الاقتصادي بجلب العملات الأجنبية .

الاستعمار في المغرب العربي:

أما بالنسبة إلى المغرب العربي فإنّ كل مناطقه قد تعرضت لأعمال العنف الاستعماري في فترات متقاربة ؛ حيث احتل الفرنس الجزائر عام 1830، وولتها تونس ، وأوغلوا فيها عام 1881، كما قاموا باستيطان المغرب عام 1912، ويختلف الاستعمار الفرنسي في هذه المناطق من نظيره في مصر من حيث طبيعته والوسائل التي تذرّع بها . وفي مصر كان دخولهم بمثابة ومضات النهضة العلمية التي هبت البلاد على ضوئها . وقد حمل MنابليونL ومن معه على مناكبهم أعباء تلك النهضة، في حين نرى الفرنس كانوا يختطفون بمخالبهم هوية وثقافة المغرب العربي بصفة عامة وهوية اللغة العربية بصفة خاصة . يد لنا على ذلك قول الوزير الفرنسي صالفندي (Salvandy) وهو يخاطب الأطباء العسكريين عام 1846 حيث قال فيه:

Mمما لاشك فيه أن الحكومة الفرنسية تعترف لكم بجميل إخلاصكم في معاملتكم للجنود ، غير أن لكم مهمة أخرى أكثر أهمية . أنتم مدعووّن إلى القيام بها . وهي مؤازرتكم بقسط كبير في العمل على إدخال حضارتنا في بيئة القبائل العربية والبربريةL.

وامتدادًا لهذه الخطه المسمومة عمدوا إلى محاربة اللغة العربية عن طريق القضاء على مراكز الثقافة العربية وإبعاد المواطنين عن التعليم فيها ونهب التراث العربي الموجود في مكتبات المغرب حتى عشّش الجهلُ بين أبنائها وكاد يتم استئصال الهيكل الفكري والثقافي للشعب المغربي ، كما نتج عن ذلك أن صارت المغرب في عزلة عما يحدث في المناطق الشرقية.

ومن الجدير بالذكر أن الأمة العربية تتميز عن غيرهم من الأمم من حيث التواصل والترابط فيما بينهم . لأن الشعوب العالمية الأخرى إنما يتم الأندماج والالتئام بينهم بوجه من الوجوه: إما بآدابهم أو بلغاتهم أو بتقاليدهم أو بديانتهم أو بقوانينهم العرفية ، ولكن الأمة العربية التأمت وتوحّدت في جميع هذه الميادين . وتجريدهم من هذه الثقافة المتجذرة هو الأول والأهم في جدول أعمال الاستعمار. وليس شيء أقسى على الشعب من أن يجدوا أنفسهم بلا هويةٍ ولا كيانٍ .

ولقد نهضت المغرب الأقصى لنجدة شقيقتها الجزائر لما وقعت في شبكة الاستعمار، مما جعل رجالَهم يحقدون على المغرب ويسومونها أسوأ العذاب . وفي سنة 1844 نشبت الحرب بينهم وبين القوات المغربية وأمكنتهم الفرصة لترسيخ أقدامهم في أرضها . ومن جِهَةٍ أخرى أعلنت إسبانيا حربًا على المغرب ، زعمًا منها أنها اعتدت على بعض أراضيها، وفي سنة 1860 أخذوا منها حديقة (تطوان) وهذه الحادثة مهّدت لهم الطريقَ ليثبتوا هيمنتهم السياسية على المغرب من جديد . وزادت هذه الهيمنة بصورة أكثر استقرارًا عقب توقيع الاتفاقية الذي تمّ عام (1912) والذي بموجبها دخل المغرب قهرًا وكرهًا في حماية فرنسا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت