فهرس الكتاب
ولكن سرعان ما فَطِنَ أهلُ المغرب إلى الأخطار المحدقة بهم ، ونهض منهم جماعة ، ممن تأثّروا بالحركة الإصلاحية التي تَبَلْوَرَتْ في دعوتهم إلى مبادئ الوطنية الحرة وضرورة الاصطفاف للحصول عليها . وكان زمام هذه المبادرة في يد الشيخ أبي شعيب الدكالي المتوفى سنة 1356. وقد أدركوا أن الاستعمار يعملون لإرضاء أصحاب الطرق الصوفية المشوّهة ويساندونهم ليأمنوا به شرَّ العامة . وقد كان لدعوته وقعٌ طيب في نفوس المواطنين ، واهتزّ لها العامة والخاصة ، ولم ينطووا على أنفسهم متشائمين ، بل حملوا بأنفسهم أعباءَ النهضة بكل تفاؤل وثقة علمًا منهم أن مافي الغرب من حضارة وثقافة إنما أساسه العلم والتفاني فيه . وأن سلطة العلم هي أقوى من سلطة المال والسياسة. وأصبحت المكائد والمحن الاستعمارية بمثابة موقظٍ لهم من سباتهم . ويتمثل روح هذه النهضة في البعثات التي أُرْسِلَتْ إلى جامعة أوروبّا وبلاد الشرق واهتمام المواطنين بانشاء المدارس العصرية وتزويد أبنائهم بالعلوم والثقافة التي ألحقتهم بركب الحضارة الحديقة . ولكن سلطات الحماية الفرنسية وقفت عائقًا لهذه الانطلاقة ؛ إذ كانوا يقعدون لهم كلّ مرصدٍ ، ويحسبون كل صيحةٍ عليهم. ولم يسمحوا لهم بتقرير ومصيرهم الذاتي .
وقد ساعدت على هذه النهضة وجعلتها قوية تلك الرياح التي هبّت عليها من مصر؛ حيث بلغت النهضة أوجَ قمتها بفضل الجامعات والمدارس والصحافة والمجامع العربية . إلا أنّ بقاء المغرب لفترة طويلة على الجمود الثقافي من جراء الحماية الفرنسية جعل للُّغة العربية تيارين: تيار اللغة الإداريّة التي كان يتناولها الخاصة واللغة المحلية الدارجة التي نطق بها العامة . والتي لاكيانَ لها في القراءة والكتابة .
وإذا تأملنا من هذا المنطلقَ نرى أنّ الاستعمار كان يحمل في طياته إيجابيات وسلبيات ؛ حيث كان حافزًا إلى حدٍّ كبيرٍ لتغيير مجرى حياة الشعب المغربي تمثلت هذه الايجابيات في نهضة الأدب العربي: اذ تطوّر الأدب وتقدم حتى وسع حقولًا جديدة وأغراضًا متنوعة ؛ وأما السلبيات فإنها تمثلت في الفتور الذي كان يسود الشعب المغربي والذي كان يستثمره المستعمرون لمصالحهم الذاتية. وبالنسبة إلى الأدب المغربي فإنّه قد تأثّر بكل ما حدث في إطار الاستعمار، ليس بما حدث في أرضه فحسب ، بل كان هذا التأثر أوسع وأشمل لجميع المناطق الشرقية التي وقعت في هوة الاستعمار واحدة تلو أخرى . فمن الطبيعي إذًا أن تكون آلامهم وأحلامهم متماثلة متقاربة . فليس الأدب إلا انعكاسات تجارب الحياة ، وكلما تكون معاناة ومضايقات تكون انعكاساتها أرهف وأحدّ . وتتجسد هذه المضايقات في أعمال العنف والتفرقة العنصرية التي كان يمارسها الغرب والتي ترددت أصداؤها في كل أرجاء الحياة المغربية . وصارت قرائح الشعراء بمثابة أبواقٍ تتلقى تلك الأصداءَ . ومن هذا القبيل قول الوزير محمد بن إدريس وكان يدفع المواطنين إلى الجهاد:
يَا أَهْلَ مَغْرِبِنَا حَقَّ النَّفِيرُ لَكُمْ إِلَى الجِهَادِ فَمَا فِي الْحَقِّ مِنْ غَلَط
فَالشِّرْكُ مِنْ جَنْبَاتِ الشَّرْقِ جَاوَرَكُمْ مِنْ بَعْدِ مَا سَامَ أَهْل الدِّيْنِ بِالشَّطَط
فَلاَ يَغُرنَّكُمْ مِنْ لِيْنِ جَانِبِه مَا عَادَ قَبْلُ عَلَى الإِسْلاَمِ بِالسَّخَط
مَنْ جَاوَرَ الشَرَّ لاَيَعْدَمُ بَوَائِقَه كَيْفَ الْحَيَاةُ مَعَ الْحَيَّاتِ في سَقَط
وتعكس هذه الأبيات مدى تأثره بما قد جرى حوله من وحشيات الاستعمار كما قام برثائه على MتلمسانL حينما سقط في أيدي الفرنس . وهو أقرب في تعبيره وأسلوبه فيه إلى رثاء الأندلس للشاعر / الرندى ؛ حيث يقول فيه:
مَصَائِبُ صُبَّتْ عَلَى مَعْشَرٍ يَبْكِيْ مِنَ الإِشْفَاقِ مِنْهَا الْجَمَادْ
يَكَادُ يَقْضِيْ الْمَرْءُ مِنْ مُرّهَا عَلَى حَشَاهُ وَتَذُوْبُ الطِّلاَدْ
إِخْوَانُكُمْ دِيْنًا وَجِيْرَانُكُمْ أَضْحَوْا رَعَايَا الشِّرْكِ بَيْنَ أَعَادْ
وحينما اصطاد الفرنس مدينةَ MتَطْوَانL قام الشاعر / أفيلال برثائه المؤثر وقال:
يَا دَهْرَ قُلْ لِيْ عَلاَمَهْ كَسَرْتَ جَمْعَ السَّلاَمَهْ
نَصَبْتَه لِلدَّوَاهِيْ وَلَمْ نَخَفْ مِنْ مَلاَمَهْ
مَالدِّيْنُ يَبْكِيْ بِدَمْعٍ يَحْكِيْهِ صَوْبُ الْغَمَامَهْ
عَلَى مَساجِدَ أَضْحَتْ تُبَاعُ فيها المُدَامَهْ
ونرى روح التحمس والتفاني لأجل الحربة في شعر الشاعر محمد المشرفى والشاعر طاهر الايغراني، وذلك حينما استدت إِرهاصات المستعمرين في عهد الحماية، كما أن أدباء المغرب وُفِّقُوا للتوجيه بأعمالهم الأدبية إلى إصلاح شؤون المجتمع وقيادتهم إلى طريق العلم والصحوة مستلهمين عناصرها من ثقافتهم المصهرة بالثقافة الفرنسية . يدل على ذلك الأعمال النثرية التي قام بها الأدباء من أمثال محمد السليماني ومحمد الأوراوي وعبد القادر الوزاني .
وقد سار المغرب في نهضته الأدبية على قبسٍ من نور الإيمان والثقة بأنفسهم ونزعة الانتقام من المستعمرين. وهاهو ذا الشاعر/محمد السليماني يقول:
حُمَاتَ الدِّيْنِ هُبُّوْا مِنْ سُبَاتِ فَمَرَكَزُنَا يَؤُوْلُ إِلَى الَخَرَاب
إلى أن قال:
بَنِي الْعِلْمِ الرُّعَاةُ أَلاَ أَفِيْقُوا فَإِنَّ الشَّاةَ في وَسَطِ الذِّئَاب
وتُجِسِّدُ قصيدتُه هذه، الأهوالَ والمخاطرَ التي حدثت عَقِبَ الاستعمار الفرنسي. وفي فجر النهضة كان الشعراء يجندون أقلامَهم يشحذون قرائحهم لتجسيم الخطر الاستعماري والتنبيه إلى ضرورة التحرك ضدّهم ، وموقفهم هذا يجعل أعمالهم الإبداعية من الأدب الملتزم. وأبياتُ الشاعر/ محمد بن عبد الصمد كنون من هذا القبيل: وهو يقول:
أَفِيْقُوا مِنْ سُبَاتٍ طَالَ جِدَّا وصُونوا واحْفَظُوا لِلْمَجْدِ عَهْدَا
كَفَاكُمْ مَا أَحَاطَ بِكُمْ كَفَاكُمْ فَرُكْنُ فَخَارِكُمْ وَ اللهِ هُدًّا
نَرَى أُمَمَ التَمدُّنِ فِي ارْتقَاءٍ وَنَحْنُ كَأَنَّنَا نخُطُّ عَمَدًا
وكانت الأحداث التي اختنق منها المغرب بمثابة وابل أصاب ضمائر شعرائه ، فتفجرت منها خيالاتُهم مما وجد أهله ضالّتهم المنشودة من قوة وتحمسٍ لمواجهة الاستعمار، ولما انتصر الترك على الرومان كان ذلك تهديدًا للفرنس وفي هذا المضمار يقول محمد المجزولي:
ضَرَاغِمَةَ الإِسْلاَمِ أَرْعَبْتُمُ الْعِدَا وَأَسْقَطْتُمْ شَيْخًا وَرَاهُمْ تَرَصُّدَا
رَأَىَ الاَسَدُ الضَّارِي الَّذِيْ كاَنَ رَابِضًا تَجَمَّعَ ثُمَّ امْتَدَ وَانْحَطَّ مُزْبِدَا
ظَنَنْتُمْ بِأَنَّ الْحَرْبَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَنُزْهَةُ جَيْشٍ جَاءَهَا مُتَصَيِّدَا
وَمَا الْحَرْبُ إِلاَّ مَا رَأَيْتُمْ وذُقْتُم وَمَا ذُقْتُمُوْهُ الْيَوْمَ تَلْقَوْنَه غَدَا
وقد ترك الاستعمار أثرًا بعيد المدى في مشاعر شعراء المغرب وأضرم فيهم التحمس والثبات وروح التضحية ونراهم دائمًا يقومون بتوعية المواطن بهذه الصفات كما يلمح ذلك في أقوال أبي بكر بناني:
يَا بَنِي الْمَغْرِبِ هَيَّا لِلْقِتَالِ وَاسْتَعِدُّوْا لِلْوَغَى قَبْلَ النِّزَالِ
يَا بَنِي الْمَغْرِبِ هُبُّوا هَبَّةً وَاضْرِبُوْا وَجْهَ فَرنْسَا ضَرْبَةً
فقد كان المواطنون المغربيون الغيورون يردّدون هذه السطورَ في جولاتهم وصولاتهم ، وكأنهم رأوها بمثابة نشيد وطنهم ، ونراهم ينهضون للقتال ضد الاستعمار حتى انقصروا عليهم ، ولنستمع إلى ما يقول محمد بن اليمني الناصري وهو يسخرمنهم ويمجد إنجازات وطنه قائلًا: