فهرس الكتاب
وللأسف فإن قدح الأقران بعضهم في بعض قد يفضي كذلك إلى التكفير والسعي في استحلال الدم. يقول الذهبي رحمه الله في ترجمة ابن منده:
"ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدَّة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم، وقد كان أبو عبدالله (أي ابن منده) وافر الجاه والحرمة إلى الغاية ببلده، وشغب على أحمد بن عبدالله الحافظ (يعني أبا نعيم الحافظ) بحيث أن أحمد اختفى" (سير أعلام النبلاء 17/41) .
وهذه الكلمات التي أطلقها الحافظ ابن منده في أبي نعيم ظلت تلاحقه، بل إن ذكر اسمه قد كان كافيًا في قتل من يذكره.
وقد عقد الإمام ابن عبدالبر رحمه الله في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) بابًا عظيمًا بعنوان"باب قول العلماء بعضهم في بعض"وضع فيه رحمه الله قاعدة عظيمة بعد سياق الأدلة الكثيرة والأخبار المستفيضة حيث يقول: هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك..
وهذه القاعدة التي وضعها هي:
"إن من صحت عدالته، وثبتت في العلم أمانته، وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينه عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته، ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والاتقان روايته، فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه" (جامع بيان العلم وفضله 3/152) .
وقال أيضًا:
"لا يقبل فيمن صحت عدالته، وعلمت بالعلم عنايته وسلم من الكبائر ولزم المروءة والتعاون، وكان خيره غالبًا وشره أقل، فهذا لا يقبل فيه قول القائل لا برهان له، وهذا هو الحديث الذي لا يصح غيره إن شاء الله" (جامع بيان العلم وفضله 2/162) .
وأما الأدلة التي ساقها ابن عبدالبر رحمه الله على هذه القاعدة النفيسة فهي كما يلي: